شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٢١{
297
}
مسألة صيغة النهى تأتى للتحريم ولغير التحريم
قولي (مسألة ترد صيغته للتحريم، وللكراهية، وللتحقير، ولبيان العاقبة، وللدعاء وللأياس، وللإرشاد وللتنزيه، وللتسلية، وللتكوين، وللموعظة، ولقطع الطمع).
ترد صيغة النهي للتحريم؛ نحو وَلَا تَقْرَبُوا الزِفَ الإسراء: 32 وللكراهية؛ نحو النهي عن التكلف في العبادة، وصوم يوم الجمعة إلا أن يتقدمه يوم وللتحقير؛ نحو وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ طه: 131. وبيان العاقبة؛ نحو وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَلِيلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إبراهيم: 42. وللدعاء؛ ربَّنَا لا تزغ قُلُوبَنَا آل عمران. وللأياس؛ لَا تَعْتَذِرُوا التوبة: 66.
قوله والكراهة، وتمثيله للكراهة بالنهي عن التكلف للعبادة وصوم يوم الجمعة غير ظاهر، والأولى له رحمه الله أن يأتي بمثال من الكتاب أو السنة ليكون أبين في المراد، خصوصا مع ملاحظة ما تقدم من أن بعض الأصوليين يقولون لا ترد صيغة النهي للتنزيه، مثال نهي التنزيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ البقرة: 267، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ البقرة: 237، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين) (1) وقوله: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (2)، ولعل مراده رحمه الله بالتكلف في العبادة الزيادة فيها على القدر المحتاج إليه في صحتها شرعا، فيكون ذلك من باب لزوم ما لا يلزم لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج الحج: 78، وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن صوم يوم الجمعة منهي عنه لأنه عيد في السماء وعيد في الأرض، وليس كذلك؛ لأن المراد بكونه عيدا تشبيهه بها على حذف الأداة لأنه أبلغ كما هو معلوم، فيكون المراد بجعله عيدا حصول الفضل والتعظيم المزيد له، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (أفضل يوم عند الله طلعت فيه الشمس يوم الجمعة) (3)، وأما صومه والحالة هذه فهو جائز مطلوب تقدم عليه يوم أو لم يتقدم، وقد ذكر الشيخ إسماعيل رحمه الله في القواعد في حقوق يوم الجمعة ومن حقوقه على المسلمين أن يصوموه، ثم ذكر أن من صامه كمن صام سبعين سنة ومن داوم على صومه أربعين جمعة كان من الفائزين ولا يصادف ذلك إلا المسلم، إلخ ما أطال فيه فليراجع (4). انتهى بمعناه. والله أعلم فليحرر.
(?) ،
(1) أخرجه الربيع (298) كتاب الصلاة باب جامع الصلاة، من حديث ابن عباس بلفظ: (نهى أن يصلي الرجل وهو يدافع
الأخبثين).
(2) سبق تخريجه. (3) أخرجه مسلم (1976) كتاب الجمعة باب فضل يوم الجمعة، والترمذي (488) أبواب الجمعة: باب ما جاء في فضل الجمعة، وغيرهما من حديث أبي هريرة بلفظ: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة … ). قال الترمذي: "حديث أبي
يوم
هريرة حديث حسن صحيح". (4) ينظر: قواعد الإسلام: ج 2، ص 234.