شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩{325)
الله، وقيل على الجنسية، كقوله تعالى فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ التوبة: 5.
فإن قلت: الأصل في اللام للحقيقة فلا تحمل على العهد إلا بقرينة، فهي فيه مجاز، فكيف تحمل عليه والمجاز مرجوح؟
قلت: لا نسلم أنها فيه مجاز، بل حقيقة، فيهما، سلمنا لكن الحمل على الاستغراق لا بد له من قرينة أيضا، سلمنا لكن (1) يترجح العهد لكونه أبين، ومساق التعريف لزيادة التوضيح.
قوله: فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، قال البيضاوي (2): الانسلاخ معناه الانقضاء وأصله خروج: الشيء مما لابسه، من سلخ الشاة إذا كشط جلدها، والأشهر الحرم التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم انتهى فالمراد بالأشهر الحرم المدة التي جعلها صلى الله عليه وسلم للكافرين ليسيحوا في الأرض، وهي مدة معهودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكون بعد ذلك، وهذا مذهب عمار وغيره ممن يقول بالعهد، ومن يقول بالجنس هي عنده عامة وباقية إلى الآن لأنه لم يرد نسخها وهذا قول الجمهور، ولذلك قال البيضاوي بعد كلام (3) وهذا مخل بالنظم مخالف للإجماع، فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها انتهى. والله أعلم فليحرر.
قوله لكن الحمل على الاستغراق لا بد له من قرينة أيضا، فمراده رحمه الله تعالى أن يجعل مدخول اللام من قبيل المشترك حيث شرط في الاستعمالين القرينة، وهذا شأن المشترك لأنه حقيقة في معنييه أو معانيه، ولكن لا يستعمل في أحدهما إلا بقرينة، لأن قرينة المشترك معينة لأحد المعاني بخلاف قرينة المجاز فإنها مانعة من أرادة المعنى الحقيقي، وبخلاف قرينة الكناية فإنها للانتقال من الملزوم إلى اللازم على ما هو المعتبر فيها، وقوله بعد ذلك (سلمنا لكن يترجح العهد إلخ، مما يدل على أن مدخول أل حقيقة في الجنس يكون مجازا في العهد، وهذا عين السؤال المدعى، فيكون هذا الجواب مصادرة عن المطلوب وذلك ممنوع، قلنا ليس من قبيل المصادرة بل حاصل الجواب أن مدخول أل حقيقة في الجنس ومجاز في العهد وقرينته البيان وزيادة التوضيح، والمجاز إذا وجدت القرينة فيه يترجح عن الحقيقة كما بين في محله فليتأمل والله أعلم.
(1)
في الأصل: "لا يترجح" وهو تصحيف والصواب (لكن يترجح)؛ كما يظهر ذلك من سياق الكلام.
(2) تفسير البيضاوي: ج 3، ص 71. (3) تفسير البيضاوي: ج 3، ص 71.