شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠{326)
واعلم أن أعم الأشياء عندنا شيء؛ لأنه يطلق على المعدوم والموجود، وعند الأشعرية معلوم ومذكور؛ لأن شيئا عندهم مختص بالموجود. وقد يكون الشيء عاما وخاصا باعتبارين، كالحيوان باعتبار الفرس والإنسان مثلا، وباعتبار الجسم والمسلمين باعتبار أبي بكر وعمر، وباعتبار الناس، وقد تقدم بسطه في المقدمة.
قوله: أعم الأشياء عندنا شيء لأنه يطلق إلخ، في جعله رحمه الله الشيء يطلق على الموجود والمعدوم تأمل، وذلك لأنه اشتهر في علم الكلام التعبير بأن شريك الباري معدوم، والمعدوم ما لا وجود له ولا حقيقة، قال صاحب الدعائم (1): "فمن لم يكن شيئا فمعدوم من الأصل". وقد جعلوا الموجود مقابلا للمعدوم في التقسيمات، وقد أمر صلى الله عليه وسلم المكلفين من أمته بفعل مدلول الشيء وامتثاله حيث قال: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) (2)، والمراد بالشيء الموجود الذي له حقيقة ثابتة متقررة في قواعد الشرع، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالمعدوم لأن توجه النفس إلى المعدوم المطلق محال، فإما أن يقال مراده رحمه الله بإطلاق الشيء على المعدوم على الذي سيوجد منه دون المطلق، أو على الذي انعدمت أجزاء التركيب منه في تلك الحالة، والأولى في هذه المسألة ما ذهبت إليه الأشعرية من أن الشيء لا يطلق إلا على الموجود دون المعدوم، ثم رأيت في شرح النونية (3) ما يدل على أن الشيء لا يطلق على المعدوم عند أصحابنا كالأشعرية، حيث قال: فأعم الأشياء عند المعتزلة شيء، وأما الأشعرية فأعم الأشياء عندهم معلوم ومذكور ولا يجعلون المعدوم شيئا، وعند الأولين هو شيء معدوم، فالعدم عندنا وعندهم في الحقيقة ليس بشيء فيحمل كلام المصنف على ما قلنا من الجواب، أو يبنى كلامه على المسامحة والتغليب والله أعلم، وقد سئل الإمام الرازي عن الباري وشريكه قال محلهما مذكور (4). ويكون هذا اللفظ عندهم أعم من سائر الألفاظ، والله أعلم فليحرر.
قوله: وقد يكون الشيء عاما وخاصا باعتبارين إلخ، أي اللفظ تارة يراد منه العموم فقط، وتارة يراد منه الخصوص فقط، وتارة يرادان منه جميعا باعتبارين مختلفين كما ذكر المصنف، فإن لفظ الحيوان يراد منه الخاص كالإنسان والفرس، وتارة يراد منه العام وهو مطلق الجسم، وكذلك المسلمين تارة يراد منه الخاص وهما العالمين في الدين =
(1) قال في الدعائم:
وأنه شيء فما مثل ــه … شيء تعالى الله عن مِثلِ لقوله شيء وما يكن … شيئا فمعدوم من الأصل الدعائم مع شرحه: ج 1، ص 57)
أخرجه الربيع (394) كتاب الحج باب في فرض الحج، من حديث أنس بن مالك، وأخرجه البخاري (7288) کتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله، ومسلم (3257) كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر، من حديث أبي هريرة.
(3) سبق التعريف بنونية أبي نصر فتح بن نوح، ولعل الشرح الذي يعنيه هو شرح العلامة إسماعيل بن موسى الجيطالي عليها، ولم أطلع عليه.
(4) كذا في الأصل، ولم يذكر مرجعا يمكنني الرجوع إليه لتوثيق كلام الرازي.