شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٦12
﴿"﴾
مقدمة في حد أصول الفقه
قولي: (مقدمة) أي هذه مقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش، وهي هنا اسم لطائفة من العلم تقدمت أمام المقصود؛ لارتباط لها به وانتفاع بها فيه لكون المقصود توقف عليها، فيكون الشارع في المقصود على بصيرة من أمره، فإن قلت: إن قولهم "مقدمة" في حد العلم مشكل؛ لأن الحد مثلا عين المقدمة فيلزم أن يكون الشيء ظرفا لنفسه، أجيب عنه بأن المقدمة تطلق على العلم، أي مقدمة العلم لما تتوقف عليه مسائله؛ كمعرفة الحد مثلا، وتطلق على الكتاب، أي مقدمة الكتاب لطائفة من كلامه تقدمت، فالأولى ظرف للثانية، وعورض بأن مقدمة الكتاب اصطلاح جديد لم يوجد في كلام من تقدم ولا فهم من
قوله: من مقدمة الجيش، أي الجماعة المتقدمة منه، أي فتكون مأخوذة من "قدم" اللازم بمعنى تقدم على حد قوله تعالى: {لَا نُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، الحجرات: 1، أي لا تتقدموا، قالوا {1 ويحتمل أن تكون مأخوذة من "قدم" المتعدي بفتح الدال وكسرها وهو الراجح؛ لأنها تقدم الطالب على غيره، بخلاف الفتح فإنه يفيد أنها لا تستحق التقديم لذاتها بل لوقوع التقديم عليها والله أعلم.
قوله: وهي هاهنا اسم لطائفة من العلم، أقول حاصل ما ذكروه أن المقدمة على قسمين: مقدمة العلم ومقدمة الكتاب، فمقدمة العلم اسم لما يتوقف عليه الشروع في العلم، كمعرفة حده وموضوعه وغايته، ومقدمة الكتاب اسم لطائفة من الكلام تقدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه، سواء تقدم عليها أم لا، فمدلول مقدمة العلم هو المعنى، ومدلول مقدمة الكتاب هو اللفظ، فإذا عرفت هذا ظهر لك ما في عبارة المصنف من المنافاة بحسب الظاهر، فإن قوله لطائفة من العلم مع قوله لكون المقصود توقف عليها يفيد أنها مقدمة علم، وقوله تقدمت أمام المقصود لارتباط لها به يفيد أنها مقدمة كتاب، ويمكن الجواب عن المصنف بأنه أشار إلى أن هذه مقدمة علم ومقدمة كتاب، فأشار بقوله لطائفة من العلم لكون المقصود توقف عليها إلى الأولى، وبقوله تقدمت أمام المقصود لارتباط لها به إلى الثانية، ونظير ذلك تقرير السعد التفتازاني لمقدمة القزويني في أول كتاب المعاني (1)، وقال بعض حواشيه أنه أشار إلى أنه مقدمة علم ومقدمة كتاب والله أعلم.
قوله: فالأولى ظرف للثانية، أراد بالأولى مقدمة العلم وبالثانية مقدمة الكتاب، وحاصل الجواب أن كلا منهما يصلح أن يكون ظرفا أو مضروفا لكن باعتبارين، فعلى تقدير جعل المعنى ظرفا يقدر فيه مضاف أي لبيان المعنى فكان البيان محيط باللفظ، وعلى تقدير جعل اللفظ ظرفا للمعنى على ما هو المشهور فظاهر والله أعلم.
مختصر المعاني لسعد الدين التفتازاني، ص: 34
(1)