شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٣٦٢

﴿TTA﴾

الأفعال لا يصح فيها دعوى العموم

وقد تقدم أن الأفعال لا يصح فيها دعوى العموم؛ لأنها لا تقع إلا على وجه معين، كما إذا أعطيت زيدا درهما، وعمرا دينارا، فإن ما نال كل واحد لا يتعداه، بل هو خاص به ولا يعم غيره. فإذا تقرر هذا فأفعال الرسول عليه السلام أيضا لا تعم، نحو ما روي أنه صلى في الكعبة فلا يعم الفرض والنفل؛ لأنه إن كان فرضا فلا يتعداه إلى النفل، وإن كان نفلا فلا يتعداه إلى الفرض. وكذا ما روي عنه أنه عليه السلام صلى بعد غيبوبة الشفق، فلا يعمهما معا فيكون بعد الشفقين إلا بدليل، وكذا جمع بين الصلاتين، فلا يعم جمعهما (1) بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير إلى وقت الثانية إلا بدليل.

قوله: لأنها لا تقع إلا على وجه معين إلخ، وذلك بأن قامت قرينة على عموم الفعل المذكور أو دليل آخر وإلا كان خاصا كما مثل الشارح رحمه الله، ولو قال صلى الله عليه وسلم الوصال، حرام واستقبال القبلة في قضاء الحاجة، وكشف العورة، الجميع كذلك؛ ثم فعل فردا منها فلا يكون فعله عاما بل خاص به إن لم يثبت وجوب اتباع الأمة له صلى الله عليه وسلم، وإن ثبت وجوب اتباع الأمة له فلا يخلوا إما أن يكون بدليل خاص في ذلك الفعل أو عام، فإن كان خاصا فهو ناسخ لتحريمه، وإن كان عاما فهو تخصيص للأول وهو العموم. انتهى (2)

قوله فلا يعم الفرض والنفل إلخ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ثبت أنه صلى في الكعبة، حيث أرسل عليا إلى عثمان بن طلحة فأتى له بالمفتاح فدخل إلى الكعبة فصلى فيها فخرج، فلا يعم فعله صلى الله عليه وسلم غيره من أمته، ولا يعم سائر أفراد الصلاة من الفرض والنفل، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما صلى داخل الكعبة استقبل الباب لأن قبلتها بابها، وهذا هو الصحيح، وقيل صلى إلى كل ركن منها، والله اعلم.

قوله: صلى بعد غيبوبة الشفق إلخ، أي فلا يعم الفرض والنفل، ولا يعم غيره من الأمة، ولا يعم الشفقين إلا بقرينة ودليل في جميع ما ذكر؛ لأن الأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم أن تكون خاصة به إلا أن يقوم دليل على العموم كما قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) و (خذوا عني مناسككم)، فيدخل غيره من أمته ويعمهم فعله ويتوجه إليهم قطعا كما سيأتي بيانه، والحاصل أن أفعال الرسول عليه السلام إما أن تقوم قرينة على اختصاصها به أو لا، فإن قامت قرينة على الاختصاص فهى - صلى الله عليه وسلم مختصة به كقيام الليل في حقه، والتصفية من الغنيمة (3)، والزيادة على أربع نسوة =

في (أ): "فلا يعمهما بالتقديم … " إلخ. ينظر: شرح العضد، ص: 230.

(3) الصفي: هو شيء نفيس كان يصطفيه النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، كسيف أو فرس أو أمة. التعريفات، ص: 137.