شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٧٠{346
}
وقد بدت أقدام زيد وأسامة هذا إذا كان قادرا على الإنكار.
= بالآباء، وهو أمر مشهور عند العرب قبل الإسلام، ومنه قول قائلهم (1):
أو كلما وردت عكاظ قبيلة … بعثوا إلي عريفهم يتوسم
قال العضد (2): وتمسك الشافعي بالقيافة واعتبرها في إثبات النسب بكلا الأمرين الاستبشار وعدم الإنكار في قصة المدلجي، وهو أنه قال حيث بدت له أقدام زيد وأسامة هذه الأقدام بعضها من بعض انتهى. قال المحقق التفتازاني في حاشيته على العضد (3): قال الإمام في البرهان موضع استدلال الشافعي في تقرير الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل على قوله، واعترض القاضى بأن قول المدلجي كان موافقا لظاهر الحق إذ الشرع كان حاكما بالتحاق أسامة بزيد، فصار كما لو قال فاسق هذه الدار لفلان يعزوها إلى مالكها وصاحب اليد فيها، فتقرير الشرع إياه على قوله لم يكن حكما بقول الفاسق في محل النزاع، فإن قيل إنما استدل الشافعي باستهزار (5) الرسول ومعلوم أنه لا يسره إلا الحق، أجيب بأنه كان يعلم رجوع العرب إلى القافة، وكان الطعن منهم، فلما أتى ما يكذبهم سره صلى الله عليه وسلم ذلك، وحاصله منع دلالة الاستهزار والاستبشار على حقيقة ثبوت المستبشر به، بناء على جواز كون ما في المستبشر به من إلزام الخصم على أصله لا يكون ذلك الأصل حقا. والمدلج بضم الميم وكسر اللام هو الرجل الذي يعرف الإنسان في ذلك الوقت، واسمه محزر كما ذكره في بعض التقييدات على العضد ناقله والله أعلم.
قوله: هذا إذا كان قادرا على الإنكار إلخ، ومفهوم هذا القيد أنه صلى الله عليه وسلم إذا لم يقدر على الإنكار ووقع منه السكوت فلا يدل على الجواز، لأن ذلك الفعل إذ ذاك غير قادر على تغييره، فلا يكون سكوته إقرارا على فاعله ولا لغيره؛ لقيام القرينة على عدم الرضى حيث كان غير قادر على تغييره، فيكون مفهوم القيد مغايرا لمنطوقه كما هو الغالب، والله
أعلم.
(1) قائله طريف بن تميم العنبري، قال أبو عبيدة: كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ في الشهر الحرام وأمن بعضهم بعضا، تقنّعوا كي لا يعرفوا، وكان طريف بن تميم العنبري لا يتقنّع كما يتقنعون، فوافي عكاظ وقد كشفت بكر بن وائل، وكان طريف قتل شراحيل الشيباني أحد بني عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فقال حمصيصة: أروني طريفا. فأروه إياه، فجعل كلما مر به تأمله ونظر إليه ففطن طريف، فقال مالك تنظر إلي؟ فقال: أترسمك لأعرفك: فلله عليّ إن
لقيتك أن أقتلك أو تقتلني، فقال طريف في ذلك:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إليّ عريفهم يتوسم فتوسّموني إنني أنا ذلكـ شاكي سلاحي في الحوادث معلم ينظر: العقد الفريد، المؤلف: أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت: 328 هـ)، تحقيق: د عبد المجيد الترحيني، الطبعة الأولى (1404 هـ 1983 م)، دار الكتب العلمية- بيروت، ج 6، ص 65.
(2) شرح
العضد، ص: 104.
(3) شرح مختصر المنتهى وحواشيه: ج 2، ص 301. وينظر البرهان: ج 1، ص 499.
(4) أبو بكر الباقلاني. (5) كذا في المخطوط، ولم أجد لها معنى في القاموس، ولعله باستبشار الرسول. وفي حاشية التفتازاني المحال إليها: "باهتزاز "الرسول" بدل استهزار الرسول وكذا الموضع الذي بعده. غير أن المعنى مفهوم من السياق.