شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٨١{357)
ولذا يجوز تخصيصه فيقال أردت مأكولا معينا، لأن الفعل المتعدي يدل بصيغته على المفعول، إذ لا يفهم إلا متعلقا به، وهو غير معين فيدل على العموم، وما قيل إنه من المقتضى ولا عموم له مردود بمنع كونه من المقتضى؛ لأن المقدر في المقتضى ضرورة لعدم صدق الكلام دونه، وهذا يدل بصيغته على متعلقه، وأيضا أن الجملة نكرة باتفاق النحاة وهي في سياق النفي فتعم.
قوله ولذا يجوز تخصيصه أي بالنية، فإن قال قائل: والله لا أكلت، وإن أكلت فزوجتي طالق مثلا، فهو للمنع من جميع المأكولات، فمنهم من جوز تخصيصه بالنية ويعمل بها، ومنهم من منع ولا يلتفت إلى نيته إلا أن القائل بالعموم تفيد النية عنده، قال في جمع الجوامع مع شارحه (1): والأصح تعميم نحو (لا) (أكلت من قولك والله لا أكلت، فهو لنفي جميع المأكولات بنفي جميع أفراد الأكل المتضمن المتعلق بها، قيل: وإن أكلت) فزوجتي طالق مثلا؛ فهو للمنع من جميع المأكولات فيصح تخصيص بعضها بالنية ويصدق في إرادته، وقال أبو حنيفة لا تعميم فيهما فلا يصح التخصيص بالنية؛ لأن النفي والمنع لحقيقة الأكل، وإن لزم منه النفي والمنع لجميع المأكولات حتى يحنث بواحد منها انتهى. والله أعلم.
قوله وما قيل إنه من المقتضى ولا عموم إلخ، والمراد بالمقتضي في عرفهم ما لا يستقيم من الكلام إلا بتقدير شيء، قال في جمع الجوامع مع شارحه (2): لا المقتضي بكسر الضاد، وهو ما لا يستقيم من الكلام إلا بتقدير أحد أمور يسمى مقتضى بفتحها، فإنه لا يعم جميعها لاندفاع الضرورة بأحدها، ويكون مجملا بينها يتعين بالقرينة، وقيل يعمها حذرا من الإجمال، مثاله قوله صلى الله عليه وسلم رفع) عن أمتي الخطأ والنسيان) (3) فلوقوعهما لا يستقيم الكلام بدون تقدير المؤاخذة والضمان أو نحو ذلك. اهـ. وقول المصنف (مردود بمنع) مراده الجواب بالمنع المجرد من غير ذكر دليل ولا سند، وهو كاف في جانب المانع على ما تقرر في أدب البحث، لكن لا معنى لقوله مردود) بمنع) لإبهامه العلة والسند وليس بشيء، والأولى له رحمه الله أن يقول وما قيل إنه من المقتضي ممنوع فيحصل الإكتفاء من غير ذكر شيء آخر والله أعلم فليحرر.
قوله: وأيضا أن الجملة نكرة إلخ، يعني بالنظر إلى المثال الثاني وهو قوله (وإن أكلت) فإنها جملة نكرة، وأما المثال الأول وهو قوله (لا) (تأكل فكذلك بالنظر إلى ظاهره فإنه فعل وفاعل، وأما بالنظر إلى معناه فهو من قبيل المفردات، وإطلاق النكرة على الجملة من قبيل المسامحة؛ وذلك لأن الجملة لا تتصف بتعريف ولا تنكير، بل المراد أن المفرد لو وقع موقعها لكان نكرة مثلا والله أعلم.
(1) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي: ج 2، ص 20.
(2) المصدر السابق: ج 2، ص 21.
(3) سبق تخريجه.