شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٣٨٦{
362
}
تقدم أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ومنهم من منع دخولهم في الشرعيات، ومنهم من منع في المأمورات دون المنهيات.
اعلم أنهم اختلفوا في خطابه عليه السلام لواحد هل يعم أو لا؟، المختار يعم بدليل لا بنفسه نحو (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة) (1). وكذا ما خاطب به في زمانه لا يشمل من بعدهم إلا بدليل من إجماع أو قياس أو نص.
قوله ومنهم من منع دخولهم في الشرعيات، لأن صحتها متوقفة على الإيمان وهو مفقود منهم، بخلاف غيرها من العقليات والعاديات مثلا لمساواتهم لغيرهم في ذلك والله أعلم.:قوله ومنهم من منع في المأمورات، وحجتهم في ذلك أن المأمورات متوقف صحتها على الإيمان كما تقدم، بخلاف المنهيات لإمكان امتثالها مع الكفر؛ لأن متعلقاتها تروك لا تتوقف
على النية التي هي متوقفة على الإيمان، اهـ كلام جمع الجوامع ()، والله أعلم فليحرر. قوله المختار يعم بدليل إلخ، والحاصل أنه وقع الخلاف بين الأصوليين في الشارع إذا وجه الخطاب لواحد هل يعم غيره أو يقصر عليه؟، قالت الحنابلة بالعموم، وقال غيرهم بعدمه إلا بدليل آخر، وحجتهم أي الحنابلة قوله عليه السلام (حكمي على الواحد حكمي على الجماعة)، وحجة الجمهور ما تقدم من أن خطاب المفرد لا يتناول غيره، وقال في جمع الجوامع مع شارحه (3): والأصح أن خطاب الواحد بحكم في مسألة لا يتعداه إلى غيره، وقيل يعم غيره عادة لجريان عادة الناس بخطاب الواحد وإرادة الجميع فيما يتشاركون فيه انتهى. ثم قول المصنف (يعم بدليل ظاهره أن العموم عند الجمهور مستفاد من دليل آخر لا من نفس لفظ خطاب الواحد حتى يكون مجازا كما تقول الحنابلة، فيحتاج إلى قرينة وعلاقة كما هو قاعدة المجاز والله أعلم.
قوله وكذا ما خاطب به في زمانه لا يشمل من بعدهم، أي وقع الخلاف بين الأصوليين أيضا في خطاب المشافهة في زمانه صلى الله عليه وسلم هل يعم من بعدهم ممن لم يكن موجودا في ذلك الزمان أو خاص بمن وجه الخطاب إليه من الحاضرين؟، قالت الحنابلة بالأول، وقال الجمهور بالثاني، وسند الحنابلة أن الرسول لو لم يكن مخاطبا لمن بعده لم يكن مرسلا إليهم، وسند الجمهور أن المعدوم لا تتأتى مخاطبته في حال عدمه مخاطبة تنجيزية، أليس وقد امتنع مخاطبة الصبي والمجنون وإن كانا موجودين لقيام الصفتين =
(1) لم أهتد إلى تخريجه.
(2) حاشية العطار على شرح المحلي: ج 1، ص 276. (3) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي: ج 2، ص 29.