شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٤٣٠{(
406
}
لأن القياس فرع فلا يقدم على أصله، ولأن المطلوب بالقياس حكم ما ليس بمنطوق به، والعام منطوق به فلا يثبت بالقياس، ولأن القياس إنما يعمل به عند عدم وجود الكتاب والسنة كما وقع في حديث معاذ، ولأنه أضعف فلا يتقدم على الأقوى، ولأن الدليل على
وجوب العمل بالقياس هو الإجماع، وإذا خالف العموم فلا إجماع، فيسقط العمل به. وأجيب بأن السنة تخصص الكتاب وهي أضعف، ولأن العمل بها عند عدم وجود الكتاب في حديث معاذ (1). وعن الأول بأن القياس فرع نص آخر لا فرع النص المخصوص، والنص يخصص بنص آخر مرة، ومرة بمعقوله، ولا معنى للقياس إلا معقول النص. وعن
= جماعة من المتأخرين، والذي نقله عنه الشيخ أبو حامد جواز التخصيص بالقياس مطلقا، وقال إنه المذهب (2).
قوله: كما وقع في حديث معاذ، أي حيث قال له عند بعثه إلى اليمن: (بم تعمل؟ فقال: بكتاب الله، فقال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسوله قال فإن لم تجد؟ قال أقيس الأمر بالأمر، فقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسوله) (3)، قاله العضد ثم قال (4): فبتقديم معاذ الخبر على القياس، وتصويب الرسول له فيه؛ يدلان على وجوب تقديم الخبر على
القياس، وأنه لا عبرة بالقياس مع وجود الخبر خالفه أو وافقه انتهى.
"
قوله والنص يخصص بنص آخر مرة، ومرة بمعقوله، ينظر ما المراد بمعقول النص، هل هو ما يفهم من اللفظ مطلقا أو المفهوم المقابل للمنطوق، والأول هو المتبادر من كلام صاحب الوضع رحمه الله في قوله (): أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل. كما نبه على ذلك محشيه حيث قال: قوله ومعقول أصل" المراد به عند المصنف رحمه الله ما يفهم من اللفظ مطلقا، منطوقا كان أو مفهوما، وأما عند غيره فهو ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق انتهى ثم رأيت فى كلام ابن هارون ما يدل على أن المراد به الثاني وهو ما يقابل المنطوق، حيث قال بعد ذكر جوابين عن أدلة الجبائي ما نصه: وثالثا بالتزامه بما جوزتم من تخصيص الكتاب بالسنة وبالمفهوم مع أنهما أضعف قال وفي الثالث نظر لأنه لا يقول بتخصيص القرآن بخبر الواحد، ولا يقول بمفهوم المخالفة فضلا =
يعني معاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن، وقد ذكر صاحب الحاشية نص الحديث. رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: ج 3، ص 357.
(3) أخرجه أبو داود (3592) كتاب الأقضية: باب اجتهاد الرأي في القضاء، من طريق رجال من أصحاب معاذ- لم يذكرهم- بلفظ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثُ مُعَاذَا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءُ). قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا فِي كِتَابِ اللَّهِ) قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم - صَدْرَهُ وَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللَّهِ).
(4) شرح
العضد، ص: 234.
(9) كتاب الوضع، تأليف العلامة الإمام أبي زكريا يحيى بن أبي الخير الجناوني، تحقيق: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، الطبعة الأولى، بدون تاريخ دار بوسلامة- تونس، ص:6.