شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦) 422
}
النطق، وكذا فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزلزلة: 7 - 8، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِطَارِ يُوَدِهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} آل عمران: 75 مما نُبِّه فيه بذكر الأدنى على الأعلى وبالعكس. اعلم أنه لا يحصل فهم الأعلى من مجرد ذكر الأدنى وبالعكس فيكون التنبيه، وإن سماه بعض كذلك إذ لا حرج في التسمية، بل إنما يفهم من السياق، ولذا أخرج (1) من المنطوق، ألا ترى أنك تقول لمن
=
في المنتهى؛ لأنه إن أريد بالأدنى الأقل والأسهل كالذرة والدينار والتأفيف، وبالأعلى الأكثر والأصعب كما فوق الذرة والقنطار والضرب، فالتنبيه تارة يحصل بالأدنى على الأعلى كما في الآية الأخيرة يعني وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ آل عمران: 75، وتارة يحصل بالأعلى على الأدنى كما في قوله تعالى وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ} آل عمران: 75، قال: وإذا فسر الأدنى بالأقل مناسبة للحكم والأعلى بالأكثر مناسبة للحكم لم يحتج إلى قوله وبالأعلى على الأدنى انتهى. فإذا فهمت ما نقلناه علمت أن قول المصنف رحمه الله مما نبه فيه بالأدنى على الأعلى وبالعكس موافق لكلام صاحب المنتهى ومخالف لابن الحاجب وشروحه، فيتوجه على المصنف أن المناسب لما ذهب إليه أن يترك التعبير بالأنسبية في قوله (والخيانة في القنطار أنسب منها في الدينار إلخ) كما تقدم عن الأبهري، فتأمل هذا المقام فإنه نفيس.
قوله: واعلم أنه لا يحصل فهم الأعلى من مجرد ذكر الأدنى وبالعكس، فيكون التنبيه الظاهر - والله أعلم أن هذا جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلا قال له إن فهم الأعلى من الأدنى من قبيل الإيماء والتنبيه وقد تقدم أنهما من المنطوق غير الصريح- فكيف عده هنا من المفهوم؟، فأجاب رحمه الله بأن ما تقدم فى المنطوق المسمى بالتنبيه والإيماء يفهم المقصود من مجرد اقتران الحكم بالوصف بقطع النظر عن القرائن، وهنا يفهم من السياق، وبين ذلك بقوله ألا ترى أنك تقول لمن أمرت بقتل سيده لا تقل له أف)، وبيان ذلك أن اللفظ واحد وهو اللفظ الدال على التأفيف، ويختلف المراد منه حسب مقامي التعظيم
والإهانة، كما أشار إليه بقوله (فصح أن الآية إنما سيقت لتعظيم الوالدين إلخ).
قوله: بل إنما يفهم من السياق، قال في جمع الجوامع مع شارحه (2): (وقيل) الدلالة عليه (لفظية) لا مدخل للقياس فيها لفهمه من غير اعتبار قياس، (فقال الغزالي والآمدي) من قائلي هذا القول: (فهمت) أي الدلالة عليه (من السياق والقرائن لا من مجرد اللفظ، فلولا دلالتها في آية الوالدين على أن المطلوب بهما تعظيمهما واحترامهما ما فهم منها =
(1)
في (أ): "وإن أخرج".
(2) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي: ج 1، ص 319.