شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٤٦٧) 443
}
وإن لم يطابق الواقع فكذب، نحو السماء تحتنا، ومسيلمة رسول قال الجاحظ (1): إن طابق الواقع والاعتقاد معا فصدق، وإن لم يطابقهما معا فكذب، وإن طابق الواقع دون الاعتقاد أو الاعتقاد دون الواقع (2)، أو عدم الاعتقاد مع مطابقة الواقع أو مع عدمهما؛ فليس بصدق ولا كذب، وليس بشيء، إذ لا حجة له في قوله تعالى أم بِهِ، جِنَّة سبا: 8؛ لأنه عبارة عن عدم الافتراء. وقال النظام (3): إن طابق الاعتقاد ولو خطأ فصدق، وإن لم
"
قوله: وإن طابق الواقع دون الاعتقاد أو الاعتقاد دون إلخ، قال السعد (4): في قول صاحب التلخيص وغيرهما ليس بصدق ولا كذب ما نصه وهي الأربعة الباقية؛ أعني المطابقة مع اعتقاد اللامطابقة أو بدون الاعتقاد، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة أو بدون الاعتقاد.
قوله: ولا حجة له في قوله تعالى أم بِهِ جِنَّةُ، أقول: وجه احتجاجه به كما بين في علم المعاني أن الكفار حصروا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالحشر والنشر في الافتراء وهو الكذب عن عمد، والإخبار حال الجنة غير الكذب لأنه قسيمه، إذ المعنى أكذب أم أخبر حال الجنة، وقسيم الشيء يجب أن يكون غيره، وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه بل اعتقدوا عدم صدقه، وإذا لم تكن أخباره بذلك صدقا ولا كذبا ثبتت الواسطة، ورد بأن المعنى أم لم يفتر، فعبر بالجنون عن عدم الافتراء لأن المجنون لا افتراء له؛ لأنه الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون، وإلى هذا الرد أشار المصنف رحمه الله بقوله (لأنه عبارة عن عدم الافتراء)، والله أعلم.
قوله وقال النظام إن طابق الاعتقاد ولو خطأ فصدق، أي إن طابق الخبر الاعتقاد، أي صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر، طابق اعتقاده الخارج أم لا، وكذبه عدمها أي عدم مطابقته لاعتقاد المخبر، طابق اعتقاده الخارج أو لا، قال في جمع الجوامع مع شارحه بعد إيراد هذه العبارة (): فالساذج بفتح الذال وهو ما ليس معه اعتقاد واسطة بين الصدق والكذب طابق الخارج أم لا. انتهى. فالواسطة على مذهب النظام صورتان والله أعلم.
(1)
عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، أبو عثمان الشهير بالجاحظ 163 - 255 هـ): كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، مولده ووفاته في البصرة، يقال قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه، له تصانيف كثيرة منها: الحيوان، والبيان والتبيين، والبخلاء وغيرها. ينظر: وفيات الأعيان: ج 3، ص 470. الأعلام: ج 5، ص 74. (2) ما بين المعكوفين ساقط من (ب). إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام (ت: 231 هـ): من أئمة المعتزلة تبحر في علوم الفلسفة واطلع على أكثر ما كتبه، رجالها وانفرد بآراء خاصة تابعته فيها فرقة من المعتزلة سميت "النظامية" نسبة إليه، وقد ألفت كتب خاصة للرد على النظام وفيها تكفير له وتضليل. ينظر: الأعلام: ج 1، ص 43. (4) المطول، ص: 176.
(3)
(5) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي: ج 2، ص 140.