شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٤٧٩﴿100﴾
وزعم الجبائي أنه لا يجوز التعبد به معناه أن يقول الشارع لأحد أو لأمَّة: إذا أخبرك عدل بشيء فاعمل به. والقائلون بجواز التعبد، بل بوجوب العمل، بل بوقوعه، اختلفوا في طريق إثباته الجمهور يجب بدليل السمع،
:قوله وزعم الجبائي أنه لا يجوز التعبد به أقول: أراد أنه لا يجوز عقلا، قال العضد (1): قالوا أولا إنه وإن لم يكن ممتنعا لذاته فهو ممتنع لغيره، لأنه يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال بتقدير كذبه بأنه ممكن قطعا، وذلك باطل وما يؤدي إلى الباطل لا يجوز عقلا قال والجواب إن قلنا كل مجتهد مصيب فسقوطه ظاهر إذ لا حلال ولا حرام في نفس الأمر، إنما هما تابعان لظن المجتهد ويختلف بالنسبة فيكون حلالا لواحد حراما لآخر، وإن قلنا المصيب واحد فقط فلا يرد أيضا؛ لأن الحكم المخالف للظن ساقط عنه إجماعا، وما هو إلا كالتعبد بقول المفتي والشاهدين إذا خالفا ما في الواقع، وهذا يصلح مستندا ونقضا بالاستقلال. انتهى المراد. وذكر له دليلا آخر وأجاب عنه فليراجع.
قوله: فمعناه أن يقول الشارع إلخ، في كون التعبد معناه ما ذكر نظر ظاهر مع ما في العبارة من الركاكة كما يظهر بالتأمل، قال العضد (2): والتعبد بخبر العدل الواحد وهو أن يوجب الشارع العمل بمقتضاه على المكلفين جائز عقلا، خلافا لأبي علي الجبائي، لنا القطع بذلك؛ فإنا لو فرضنا أن الشارع يقول للمكلف إذا أخبرك عدل بشيء فاعمل بموجبه" وعرضناه على عقولنا فإنا نعلم قطعا أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته انتهى. فظهر من عبارة العضد أن قول الشارع للمكلف إذا أخبرك عدل بشيء فاعمل به" إنما ذكر في سياق الاستدلال به على أن التكليف بخبر الواحد جائز عقلا، وليس تفسيرا للتكليف على ما توهمه عبارة المصنف فليراجع، والله أعلم.
قوله: الجمهور يجب بدليل السمع، ذكر رحمه الله أن دليل الجمهور السمع ولم يبينه، فكان عليه بيانه، وقد بينه العضد حيث قال (3): لنا إجماع الصحابة والتابعين بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد، وعملهم بخبر الواحد في الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى، إلى أن قال: وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح؛ وإن كان احتمال غيره قائما في كل واحد واحد، فمن ذلك أنه عمل أبو بكر بخبر المغيره في ميراث الجدة، وعمل عمر بخبر عبد الرحمن في جزية المجوس إلخ، قال الأبهري: قوله (عمل أبو بكر) عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال لها: مالك في كتاب الله شيء ومالك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فارجعى حتى نسأل الناس، فسأل فقال المغيره ابن شعبة رضي الله عنه حضرت رسول =
(1) شرح العضد، ص: 139. (2) المصدر السابق، ص: 139.
(3) شرح
العضد،
ص: 140.