شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٤٨٧{463)
وقد اختلف في الكبائر، ولكن كل ما نهى الشرع عنه وواعد عليه العذاب فهو كبير. وأما الإصرار على الصغائر فلقول ابن عباس: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار. وأما سقوط المروءة فكمخالطة الأرذال، وفعل الحرف الساقطة كالحجامة وغيرها، وهذه تحتاج إلى بسط، فمن أرادها فليطلبها في تبيين أفعال العباد (1)، وكتاب القناطر (2)، والسؤالات (3) وغيرها.
وليس بمبتدع (4)؛ لأن رواية المبتدع عندنا مردودة مطلقا، ولم أحفظ فيها خلافا، ونص عليها ابن بركة في الجزء الثالث من ديوانه (5).
(V)
= الصغيرة فهو داخل في الكبيرة، ومنها ملازمة المروءة وهي ترك ما لا يليق بصاحبه من المباحات؛ كاللعب بالحمام، والحرف الدنيئة مما لا يليق به، وخرج بهذين القيدين صاحب الكبيرة ومرتكب الصغائر الخسيسة ومرتكب المباحات التي تدل على خسة النفس ودناءة الهيئة مما لا يليق إلى أن قال ومنها عدم البدعة والمراد منها اعتقاد ليس على وفق السنة والجماعة على ما أشير إليه في الحديث تفسيرا للفرقة الناجية، ويخرج بهذا القيد المبتدع، وإنما أفرده بالذكر فيما قيل لتفصيل فيه قد ذكر، فإن قيل أليس قد قال الشافعي "أقبل شهادة أهل الأهواء والبدع إلا الخطابية (6) فإنهم يرون شهادة الزور لموافقيهم" فيلزم قبول روايتهم أيضا، قلنا قبول شهادتهم للضرورة صيانة لحقوق الآدميين، كما مر في قبول أبي حنيفة شهادة بعض الكفار على بعض، ولا ضرورة هاهنا، ثم لما كان العدالة حقيقتها ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة وليس معها بدعة، والملكة كيفية نفسانية راسخة، والبدعة أيضا من الكيفيات النفسانية وليسا ظاهرين، ومناط الأحكام يجب أن يكون وصفا ظاهرا منضبطا اعتبر في تحقيق العدالة صفة ظاهرة هي مظنة تحققها، وهي اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر، والاجتناب عن الصغائر والمباحات الدالين على خسة النفس ودناءة الهمة انتهى المقصود منها.
(1) كتاب "تبيين أفعال العباد مخطوط في ثلاثة أجزاء، تأليف أحمد بن محمد بن بكر النفوسي (ت: 504 هـ)، من علماء وارجلان. (2) كتاب "قناطر الخيرات" كتاب شامل في الفقه والأخلاق وأسرار التشريع، لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي ت: 750 هـ)، مطبوع في ثلاثة أجزاء. (3) كتاب "السؤالات" لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي (ق: (6 هـ)، من أهم المصادر الإباضية في العقيدة والسير، والكتاب لا يزال مخطوطا، يوجد لدى الباحث نسخة رقمية منه. (4) هذا هو الشرط الخامس من شروط ناقل الحديث، ولعل المصنف أراد أن يجعله مع العدالة شرطا واحدا، لأن عدالة الناقل تقتضي أن يكون غير مبتدع في دينه.
(5)
يعني به كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة، وقد سبقت ترجمته، وهو مطبوع من قبل وزارة التراث في مجلدين اثنين، وقد حاولت توثيق رأي ابن بركة غير أني لم أهتد إليه.
(1) الخطابية: أصحاب أبي الخطاب الأسدي، ينقل عنهم أنهم قالوا: الأئمة هم الأنبياء، وأبو الخطاب نبي، وأن الجنة نعيم الدنيا، وأن النار آلامها، وأنهم يستحلون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم. ينظر: التعريفات للجرجاني، ص:104 (7) نقل هذه العبارة عن الشافعي الغزالي في المستصفى، والفخر الرازي في المحصول ينظر: المستصفى ص:204، والمحصول: ج 4، ص 400.