شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٤٩﴿to﴾
كإدراكنا الجوع واللذة والألم، وغيرها من الوجدانيات، وهو ما لا يفتقر إلى عقل، لأن غير ذي عقل يدركه كما يدركه ذو عقل، والمحسوسات كالتصور لمعنى الحرارة والبرودة والحلاوة، وغيرها مما يدرك بالحس.
وأما التصديق الضروري فما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه، …
= ليست تصورا وإنما هي متعلقها، لكن حذف المضاف من باب حدث عن البحر ولا حرج. وقوله كالمشاهدات، أي لم يعتبر معها حكم، فلا ينافي ما سيأتي من جعلها من التصديقي البديهي.
قوله: وهو ما لا يفتقر، الضمير راجع إلى الوجدانيات فقط، لكن ذكر باعتبار الخبر، والمراد بكونها لا تفتقر إلى عقل إذا لم يعتبر معها حكم بدليل ما سيأتي.
قوله: لأن غير ذي عقل يدركه إلخ، هذا بحسب الظاهر يقتضي أن إدراك البهائم يسمى تصورا مع أنه ليس بظاهر، لأن التصور حصول صورة الشيء في العقل، اللهم إلا أن يقال لا يلزم من الإدراك التصور وهو الظاهر، لأنهم قالوا أن علم البهائم أي إدراكها حضوري، يعني أنها إذا غاب عنها المحسوس لا يرتسم عندها، لذلك لا تؤدب على الشيء إلا عند حضوره والله أعلم. والتشبيه في قوله كما يدركه ذو عقل ليس بتمام، لأن الأصل في المشبه أن لا يقوى قوة المشبه به، وربما يرشد إلى ذلك قوله في تمثيل التصور كإدراكنا والله أعلم. قوله: وكالمحسوسات هذا من عطف الخاص على العام؛ لأن المشاهدات على قسمين: مشاهدة بالباطن وتسمى بالوجدانيات، ومشاهدة بالحس الظاهر وتسمى بالحسيات والمحسوسات، وإنما جعلها من التصورات لأنه لم يعتبر معها حكم كما تقدم، فلا ينافي ما سيأتي من جعلها من التصديق الضروري، ولعله إنما لم يعمم في المحسوسات كما عمم في الوجدانيات؛ لأنه أراد التصور دون مطلق الإدراك الشامل لإدراك البهائم، ولذلك مثل فيما تقدم بالإدراك وهنا بالتصور، الذي هو حصول صورة الشيء في العقل، فالبهائم أيضا تشارك العقلاء في الإدراك بالحواس كما هو معلوم، ويسمى هذا التصور ضروريا لأنه يضطر إليه، بحيث لا يمكنه دفعه عن نفسه بعد استعمال الحاسة، كفتح الحدقة وملاقاة الملموس ونحو ذلك، وكذلك في الوجدانيات كما هو معلوم لكل أحد والله أعلم.
قوله فما لا يتقدمه تصديق يتوقف عليه، يعني لم يتقدمه تصديق تقدما طبيعيا، لأن هذه العبارة نظير المتقدمة في التصور، فيؤخذ منها معنى التقدم الطبيعي، وعرف غيره التصديق الضروري بما لم يقع عن نظر واستدلال.