شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٥٢[28]
والنار تحرق، أي شاهد الحس ذلك مرة بعد أخرى فقضى العقل بكونه موجبا لذلك. الرابع: ما يحصل بالتواتر، كالعلم بأن مكة موجودة، وبغداد بالمشرق. الخامس: الوجدانيات، كعلمك بأنك جائع، أو أنك محب، أو أنك متلذذ وما أشبهها.
والكسبى ما لا يحصل إلا بطلب سواء كان تصورا أو تصديقا، أما التصور فكقولك: ما الملك؟ وما الإنسان؟ وما الجن؟ وما العنقاء؟ وما أشبهها من المفردات. وأما التصديق فكقولك: ما الدليل على أن الخمر حرام؟ وما الدليل على حدوث العالم، وما الدليل على أن الصلاة واجبة؟ وما أشبهها.
قوله والنار تحرق جعل غيره هذا المثال من المشاهدة بالحس الظاهر الذي هو اللمس، ولا حاجة إلى تكرار المشاهدة، وأي فرق بينه وبين النار حارة، اللهم إلا أن يقال المراد بالإحراق الإحراق الخاص كحرق الحطب والأحجار ونحو ذلك، فإن هذا لم يحكم به إلا بعد تكرر المشاهدة لذلك والله أعلم.
قوله ما يحصل بالتواتر، أي ما يحكم العقل به بواسطة السماع من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب.
قوله إلا بطلب أي فكر، وهو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول.
قوله: تصورا أو تصديقا، المراد بالتصور الكسبي تصور المعرف، فإنه يستفاد من المعلوم التصوري وهو التعريف، والتصديق الكسبي العلم بالنتيجة، فإنه يستفاد من المعلوم التصديقي وهو المقدمات، فالمعلوم الموصل إما تصور وهو التعريف، وإما تصديق وهو المقدمات، والمجهول المطلوب أيضا إما تصور وهو العلم بالمعرف، وإما تصديق وهو العلم بالنتيجة.
قوله فكقولك ما الملك، أي فكالتصور المطلوب بقولك ما الملك، فإنك تطلب به تصور المجهول الذي هو ماهية الملك، ولا شك أن تصور المعرف كسبي لأنه مسبوق بتصور
التعريف.
قوله فكقولك ما الدليل، أي فكالتصديق المطلوب بقولك ما الدليل؛ لأن قوله فكقولك ما الدليل ليس مثالا للتصديق بل لا بد من التأويل.