شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٥٣٠﴿0.1﴾
على أهل قباء حين استداروا لما سمعوا مناديه عليه السلام يقول: ألا إن القبلة قد تحولت، وكنسخ وصية الوالدين من قوله تعالى إن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) البقرة: 180 بقوله عليه السلام (لا) وصية لوارث) (1)، وكحبس الزواني في البيوت الواجب بقوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَمَنَّ سَبِيلًا} النساء: 15 نسخ بقوله عليه السلام قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب الرجم .. ) الحديث.
=
لم يقع) نسخ القرآن (إلا) بالمتواترة).إلخ. وأقول: ظاهر كلام العدل الميل إلى جواز النسخ بالآحاد فيكون موافقا لما ذهب إليه ابن بركة، حيث قال (2): وأدل الدليل على قيام الحجة بأخبار الآحاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرسل رسله ويمضون ويتوجهون إلى من أرسلوا إليه، ووجب على من أرسلوا إليه السمع والطاعة، وقبول قولهم عن الله عز وجل وعن رسوله عليه السلام في الناسخ والمنسوخ وفي غيره، ولم يحوجوهم على التواتر ولا إلى مطالعة الرسول عليه السلام، إلا إن وقعت ريبة في أقوال الرسل فيسعهم التوقف والاستبصار والبحث، كالذي جرى لابن أبي جدعة حين أتى أهل الطائف فقال: إني رسول رسول الله إليكم وقد أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم، شئت فقالوا مرحبا برسول رسول الله، فقالوا: دونك أي بيوتنا شئت، ثم قال وأمرني أن أتبوأ أي نسائكم شئت، فقالوا: إن عهدنا برسول الله عليه السلام كان يحرم الزنا، فلم يسعفوه حتى أرسلوا إلى رسول الله عليه وسلم فأخبروه فغضب، وأمر رجلين أن يذهبا إليه فيحرقاه بالنار، ثم قال عليه الصلاة السلام ما أظنكما تدركانه إلا وقد كفيتماه، فذهبا إليه فوجداه قد خرج هاربا في ليلة مطيرة فخرج غير الطريق ليبول فنهشته أفعى فقتلته (3) قال: وأما الواحد فقد أجزناه ما لم يكن متأولا انتهى.
قوله: إن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ، المناسب ذكر صدر الآية لوجهين: أحدهما لفظي وهو بيان ما يرتفع به الوصية فإنه نائب الفاعل لـ "كُتب"، والثاني معنوي وهو أن النسخ محله الحكم وهو مدلول عليه بقوله "كُتب" فإنه بمعنى أوجب، والله أعلم.
قوله وكحبس الزواني في البيوت إلى قوله نسخ بقوله عليه الصلاة والسلام (قد جعل الله لهن سبيلا)، صريح كلام المصنف أن الآية منسوخة بالحديث، فيكون من قبيل نسخ القرآن
بالسنة، والذي يدل عليه كلام صاحب العدل رحمه الله أن الآية منسوخة بالآية، =
(1) أخرجه الربيع (667) كتاب الأيمان والنذور: باب في المواريث، من حديث ابن عباس، وابن ماجة (2714) كتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث، من حديث أنس بن مالك. (2) العدل والإنصاف: ج 1، ص 137.
(3) ذكر هذه القصة ابن الجوزي في بداية كتاب الموضوعات، عند كلامه على حديث: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)، من طريق عبد الله بن الزبير، غير أنه لم يصرح باسم الرجل ينظر: كتاب الموضوعات، للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت:597 هـ)، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الطبعة الأولى (1386 هـ 1966 م)، المكتبة السلفية - المدينة المنورة، ج 1، ص 56.