شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٥٤

}

= للعلم به إلا الحس الظاهر أو الباطن كما مثل، ومنه ما لا طريق للعلم به إلا العقل، ككون الواحد نصف الاثنين، والضدين لا يجتمعان ومنه ما لا طريق للعلم به إلا النقل، كوجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان، وغير ذلك من الأحكام الشرعية، أما تسمية الحس ظاهرا كان أو باطنا طريقا فظاهر، لأن الذي عليه المحققون أن المدرك للكليات والجزئيات هو النفس الناطقة، وصرح بعضهم بأنها هي العقل، وفي كلام بعضهم ما يدل على أنها غير العقل، قال وهي التي يشير إليها كل احد بقوله أنا، وعلى كل حال فنسبة الإدراك إلى قواها مجاز كنسبة القطع إلى السكين، خلافا لمن قال النفس لا تدرك الجزئيات، وأما تسمية العقل طريقا فإن قلنا إنه غير النفس الناطقة فالأمر ظاهر، وإن قلنا إنه عينها وإنه هو المدرك فلعل تسميته طريقا حيث لم يعلم ذلك إلا من جهته، ووصل إلى المعنى بنفسه ولم يتوقف على حس ولا على شرع كما تقدم مثاله، وأما تسمية النقل طريقا مع أنه لا يخرج عن حاسة السمع فلتوقف الحكم الشرعي ونحوه عليه، ولا يمكن أن يعلم إلا من جهته، ولأن المراد من النقل المنقول كالشرع مثلا، وهو ألفاظ مخصوصة دالة على معان مخصوصة، ولا شك أن اللفظ المسموع طريق إلى العلم بالمعنى كما هو معلوم، فيكون طريقا بواسطة لأن السمع طريق إلى العلم باللفظ واللفظ طريق إلى العلم بالمعنى في الغالب، ولهذا جعلت الطرق ثلاثة، والذي في السؤالات حصر الطرق في الحواس، حيث قال (1): سؤال فإن قال كم وجها تنال به المعرفة الجواب في ذلك أن الحواس الخمس هي التي تنال بها المعرفة فيما روي عن أبي نوح رحمه الله (2)، أما ما أدركته الحواس وما دل عليه ما أدركته الحواس وعلم ما أدركته الحواس كله اضطرار، وعلم ما دل عليه ما أدركته الحواس اكتساب، وما دل عليه ما أدركته الحواس يكون جسما، ويكون عرضا، ويكون لا جسما ولا عرضا، وعلمي أنا للحواس اكتساب وعلمي للمحسوسات اضطرار، وأما الحواس فهي سبيل إلى درك المعلومات، وهي جوالب إلى القلب، فيميز القلب ما جلبت إليه إلخ. وأورد عليه الوجدانيات، ويجاب بأن المراد بالحواس في قوله وأما الحواس فهي سبيل إلخ- ما يشمل الحس الظاهر والباطن، وأما التعبير بالخمس في قوله أولا إن الحواس الخمس فبالنظر إلى الغالب والقيد إذا أجري مجرى الغالب لا مفهوم له، كقوله تعالى: وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم النساء: 23، النساء:23، أو لأن المراد تنال بها معرفة ما كان خارجا عن الإنسان ويمتاز به عن البهائم، والله أعلم فليحرر.

(1) كتاب السؤالات، تأليف الشيخ أبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي (ق: (6)، مخطوط لدى الباحث نسخة رقمية منه، بدون تاريخ نسخ، اللوح: 90.

(2) لعله أبو نوح سعيد بن زنغيل (ق:4 هـ)، أحد أقطاب العلم عند الإباضية بالمغرب، نشأ وسكن بالجريد بتونس ثم استوطن وارجلان بالجزائر، أخذ علمه عن الإمامين الكبيرين أبي القاسم يزيد بن مخلد، وأبي خزر يغلا بن زلتاف، برع في علوم الفصاحة والبيان وفنون الجدل والرد على المخالفين. ينظر: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب: ج 2، ص 176، (الترجمة: 390)، طبقات المشايخ ج 1، ص 143، كتاب السير: ج 2، ص 41.