شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٥٤٥

{521]

}

ولا حجة لهم في جميع ما ذكروا؛ لأن المكان لا مدخل له في الأحكام، وإلا فمكة أفضل منها على قول الأكثر إلا قبر النبي عليه السلام، وأيضا الذين شاهدوا أحكام النبي عليه السلام في المدينة وغيرها تفرقوا في البلاد، بل أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل مات بالشام، وأقضى الناس علي وبالعراق مات، وكذا ابن مسعود وأنس وغيرهم، وابن عباس كان بمكة وغيره أفتَرى أنه بقي بالمدينة بعد أبي بكر وعمر أعلم من هؤلاء؟ وقد خالفوا أبا بكر وعمر في أحكام كثيرة، وإن ادعوا أن المعني إجماعهما. بل خالفوا أهل المدينة (1)؛ مالك عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) (2)، فهذا

قوله: وإلا فمكة أفضل منها، أي وإلا، نقل لا مدخل للمكان في الأحكام، فإن اعتبرنا أفضلية المكان فلا يصح توجيه حجية أهل المدينة بأفضليتها على غيرها لأن مكة أفضل منها إلخ، ففي مثل هذه العبارة حذف الشرط والجواب وإبقاء دليل الجواب كما هو ظاهر، والله أعلم.

قوله وقد خالفوا أبا بكر وعمر في أحكام كثيرة، الظاهر أن الضمير في (وقد خالفوا) عائد إلى هؤلاء معاذ بن جبل ومن ذكر بعده من الصحابة رضي الله عنهم، ومقصود المصنف رحمه الله رد حجة أجماع من ذكر من أهل المدينة بعمل غيرهم من الصحابة بخلاف قولهم، فلو كان حجة لم يخالفوهم، والله أعلم.

قوله: بل خالفوا إجماع أهل المدينة مالك عن ابن الزبير إلخ، هكذا في النسخة التي بيدي ولم يتضح لي معناها، والظاهر أن في النسخة تحريفا من الناسخ، وصواب العبارة بل خالف إجماع أهل المدينة مالك، فمالك فاعل خالف، ويكون قوله عن ابن الزبير عن جابر مستأنفا، بين به المصنف مخالفة مالك لإجماع أهل المدينة، ودل على ما قلنا كلام صاحب القواعد رحمه الله في باب الحج حيث قال (3): واختلفوا في الاشتراك في البدنة، فقال جمهور العلماء تجزي البدنة عن سبعة والبقرة عن سبة، روي ذلك عن ابن عمر وأنس بن مالك وعطاء والحسن وطاووس، وقال ابن عباس البدنة عن سبعة وإن تمتعوا وبه قال جماعة من الفقهاء، ومنع قوم الاشتراك في شيء من الهدي ولا البدن ولا النسك في الفدية وغيرها، روي ذلك عن مالك بن أنس، والصحيح الأول لحديث جابر بن عبد الله قال: (اشتركنا مع النبي عليه السلام إلخ، ما رواه المصنف والله أعلم فليحرر.

(1) أي إجماع أهل المدينة كما جاء في الحاشية، وفي عبارة المصنف شيء من الغموض تطرق إليه المحشي في الحاشية. (2) أخرجه الربيع (430) كتاب الحج، باب في الهدي والجزاء والفدية، ومسلم (3185) كتاب الحج باب الاشتراك في الحج وإجزاء البقرة و البدنة … ، وغيرهما من طريق جابر بن عبد الله. (3) قواعد الإسلام: ج 2، ص 195.