شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٥٤٦{522
}
إجماع أهل المدينة حق وعملهم بحضرة النبي عليه السلام، وقالوا هذا عمل لا يجوز ولا يجزئ، وذكر مالك في موطئه (1): الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن باع عبدا أو وليدة أو حيوانا بالبراءة فقد برئ من كل عيب، إلا إن كتم عيبا لم تنفعه تبرئته. اهـ. والعمل عند أصحابه أن بيع البراءة لا يجوز البتة في الحيوان، ومسائل كثيرة خالفوا فيها إجماع أهل المدينة. وأيضا ما تولى المدينة بعد الصحابة إلا الفسقة والظلمة حاشا عمر بن عبد العزيز، ومدته قصيرة.
قوله: الأمر المجتمع عليه عندنا في من باع عبدا إلخ، وبيع البراءة فيه خلاف عندنا، قال في الإيضاح (2): وبيع البراءة اختلف العلماء فيه إلخ كلامه، فذكر فيه أربعة أقوال صحة العقد والشرط معا، وإبطالهما معا، وصحة العقد وإبطال الشرط، والتفصيل بين السلطان وغيره، والقول بجوازه مطلقا قول ابن عبد العزيز، والقول بجواز البيع وإبطال الشرط قول الربيع، ولم يرجح من تلك الأقوال شيئا، قال محشيه رحمه الله (3): والظاهر قول الربيع؛ لأن قاعدة الشرط الذي لا يجوز أن يبطل ويصح العقد؛ لحديث بريرة، وهذا الشرط لا يجوز لأنه متضمن للغرر والغش اهـ.
قوله والعمل عند أصحابه لا يجوز البتة في الحيوان، لعل المراد بالحيوان غير الرقيق، وأما الرقيق فالمفهوم من كلام المختصر وشرحه جواز البراءة فيه، وعبارة المختصر مع شارحه (4): (ورُدَّ) في عهدة الثلاث في الرقيق بكل (حادث يعني أن عهدة الثلاث في الرقيق للمشتري أن يرده على بائعه بكل ما حدث فيه عنده في زمنها حتى الموت. إلى أن قال في المتن إلا إن يبيع ببراءة قال شارحه الاستثناء متصل أي إلا أن يبيع ببراءة من عيب معين فلا رد له إذا حدث مثله في زمن العهدة مع بقائها فيما عداه، كما إذا تبرأ إليه من الإباق فأبق في زمن العهدة ولم يتحقق هلاكه في زمنها، فلا رد له بالإباق؛ لأنه تبرأ منه فتنفعه البراءة منه فقط. انتهى المقصود منه. ويمكن والله أعلم حمل الجواز في كلام المصنف على ما هو أعم من الرقيق عندهم، بناء على أنه لا تجوز البراءة فيه إلا من عيب معين، كما يفهم من كلام شارح المختصر، والله أعلم فليحرر.
أبي
(1) الموطأ، كتاب البيوع: باب العيب في الرقيق. ينظر: كتاب الموطأ، لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (ت:179 هـ)، رواية مصعب الزهري (ت:242 هـ)، تحقيق د بشار عواد معروف ومحمود محمد خليل، الطبعة الأولى (1412 هـ 1991 م)، مؤسسة الرسالة - بيروت، ج 2، ص 310. (2) الإيضاح: ج 3، ص 259.
(3) محمد بن عمر أبو ستة، ينظر: المصدر السابق: ج 3، ص 260.
(4) شرح مختصر خليل، المؤلف: محمد بن عبد الله الخرشي المالكي، أبو عبد الله (ت: 1101 هـ)، بدون طبعة وبدون
تاريخ، دار الفكر - بيروت، ج 5، ص 153 - 154.