شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٥٥٤

﴿or.﴾

الباب التاسع في الاجتهاد

قولي: (وهو لغة تحمل مشقة في أمر، وفي الاصطلاح استفراغ الفقيه الوسع في استحصال حادثة بشرع المجتهد فاعل الاجتهاد والمجتهد فيه محل الاجتهاد، والمصيب في القطعيات واحد؛ كالنصوص والعقليات خلافا للعنبري، والمخطئ آثم خلافا للجاحظ، والمصيب في الظنيات واحد خلافا لبعض، والمخطئ غير آثم خلافا للأصم والمريسي).

حد الاجتهاد

وهو لغة تحمل الجهد وهو المشقة في أمر، يقال اجتهد في حمل حجر الرحى، ولا يقال اجتهد في حمل خردلة. وفي الاصطلاح "استفراغ الفقيه الوسع" أي يبذل طاقته، بحيث لا يجد من نفسه زيادة وإن طلبها، بل يعجز عن الزيادة. فـ "الاستفرغ" كالجنس، واحترزت بالفقيه عن استفراغ المقلد طاقته، و "في استحصال حادثة" إذ لا اجتهاد في منصوص عليه، و "بشرع" مخرج للحسيات والعقليات التي لا شرع فيها. واعلم أن كل عقلي يسوغ فيه الاجتهاد وللاجتهاد: ركنان المجتهد والمجتهد فيه؛ فالمجتهد فاعل الاجتهاد والمجتهد فيه محل الاجتهاد.

المصيب في القطعيات واحد، والمصيب في الظنيات واحد:

واعلم أن كل من أداه اجتهاده في العقليات والقطعيات مثل مسائل الكلام والاعتقادات وغيرهما إلى الصواب؛ فله أجران، وإن أداه إلى الخطأ فهو آثم غير مأجور، سواء عجز عن إدراك الصواب أو أدرك وخالف. وذهب العنبري (1) إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات والفروع، وهذا خطأ بين فاحش والعجب كيف يصيب من قال بقدم العالم وتكذيب

قوله: تحمل الجهد وهو المشقة، يعني بفتح الجيم، وأما الجهد بالضم فهو الطاقة كما نبه عليه بعضهم، والله أعلم.

قوله: استفراغ الفقيه الوسع أي ببذل طاقته إلخ، المناسب والله أعلم الإتيان بأجزاء التعريف متوالية كما في المتن، ثم يأخذ في تفسيرها وبيان محترزات قيودها كما فعل العضد، والأمر

سهل.

قوله: واعلم أن كل عقلي يسوغ فيه الاجتهاد، أي مما لا قاطع فيها من كتاب وسنة وإجماع، لا يخفى ما في العبارة، والمناسب ما عبر به صاحب العدل حيث قال (2): والاجتهاد كله في العقليات سائغ، والحق في واحد إلخ.

قوله وقال العنبري، قال البرادي: وقال عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة =

(1)

عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري (ت: 168 هـ)، من تميم، قاض من الفقاء والعلماء بالحديث، من أهل البصرة، ولي قضاءها سنة (157 هـ)، وعزل سنة (166 هـ)، وتوفي فيها. ينظر: الأعلام: ج 4، ص 192. (2) العدل والإنصاف: ج 2، ص 12.