شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٥٧٢[
548
}
تقليد المجتهد لغيره:
وأما إن اجتهد فأداه اجتهاده إلى حكم فليس له أن يقلد مجتهدا آخر خالفه ويترك نظر نفسه قيل اتفاقا، وقال بعض لا يجوز أن يقلد غيره ولو قبل اجتهاده، وقال أهل العراق يجوز فيما يخصه لنفسه دون ما يفتي به لغيره، وقال بعض فيما يخصه بشرط لو اشتغل بالاجتهاد فاته، وقال محمد بن الحسن (1): يجوز لمن هو أعلم منه، وقال جماعة منهم أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه (2): يجوز تقليد العالم مطلقا، وقيل إن كان صحابيا أو تابعيا جاز وإلا فلا، ولا يجوز لمن وراءهم إجماعا، وقيل لا يجوز لمن وراء الصحابة إجماعا وما لهم ولنقل الإجماع مع كثرة الخلاف؟!
وقال ابن بركة (3): "تقليد الصحابة جائز في باب الأحكام، ثم قال بعد: ويجوز تقليد الواحد منهم إذا قال قولا ولم ينكر عليه غيره، وأما إذا علم له مخالف فلا، ثم قال: ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث في عصر غير الصحابة مع الاختلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة".
وتفسير كلامه والله أعلم أن الصحابة إذا اختلفوا تختار بين أقوالهم ولا تحدث عليهم قولا، وغير الصحابة إذا اختلفوا تجتهد لنفسك وحدك.
:قوله وقال بعض لا يجوز أن يقلد غيره ولو قبل اجتهاده هذا هو المختار عند العضد كابن الحاجب، واستدل له بقوله (4): لنا جواز تقليده لغيره حكم شرعي فلا بد له من دليل والأصل عدمه، لا يقال هذا معارض بعدم الجواز لأن الانتفاء نفي يكفي فيه دليل الثبوت، إلى أن قال: ولنا أيضا أن التقليد بدل الاجتهاد جوز ضرورة لمن لا يمكنه الاجتهاد، ولا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكن من المبدل منه، كالوضوء والتيمم، وكالقبلة مع جهة الاجتهاد انتهى. ونقل أدلة المجوزين وأجاب عنها بما يطول ذكرها فليراجع ()، والله أعلم.
قوله: وقيل إن كان صحابيا إلخ، زاد العضد (6): فإنه إن كان أرجح من غيره من الصحابة قلده، وإن استووا تخير فيقلد أيهم شاء انتهى.
(1)
في النسخ الثلاث: محمد بن الحسين والصواب محمد بن الحسن كما في كتب الأصول الأخرى، وهو محمد بن الحسن بن فرقد، من موالي بني شيبان، أبو عبد الله (131 - 189 هـ): إمام بالفقه والأصول، وهو الذي نشر علم أبي حنيفة، أصله من قرية حرسته بغوطة دمشق، وولد بواسط، نشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة وغلب عليه مذهبه، ثم انتقل إلى بغداد. ينظر الجواهر المضية: ج 2، ص 42، وفيات الأعيان: ج 4، ص 184. الأعلام: ج 6، ص 80. إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المروزي، أبو يعقوب ابن راهويه (161 - 238 هـ): عالم خراسان في عصره، وهو أحد كبار الحفاظ. ينظر: وفيات الأعيان: ج 1، ص 199، طبقات الشافعية الكبرى: ج 2، ص 83. الأعلام
(2)
، ص 292. الجامع لابن بركة: ج 1، ص 22.
(4) شرح العضد، ص: 384 (5) ينظر: المصدر السابق، ص: 384.
(6) شـ) شرح
العضد،
ص: 384