شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٥٧٥

﴿001﴾

=

في الإحكام (1): السؤال السابع والثلاثون ما معنى مذهب مالك الذي يقلد فيه ومذهب غيره من العلماء؟ فإن قلتم هو ما يقوله من الحق؛ أشكل ذلك بقولنا الواحد نصف الاثنين، وسائر الحسابيات والعقليات مما لا تقليد فيها، وإن قلتم هو ما يقوله من الحق في الشرعيات مما طلبه صاحب الشرع؛ بطل ذلك بأصول الدين وأصول الفقه فإنها أمور طلبها صاحب الشرع، ولا يجوز التقليد فيها لمالك ولا لغيره. وإن قلتم مذهبه وغيره من العلماء الذين يقلدون فيه هو الفروع الشرعية؛ قلت إذا أردتم جميع الفروع بطل ذلك بالفروع المعلومة من الدين بالضرورة؛ كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وتحريم الكذب والزنا والسرقة ونحوها، فإنها مما يبطل التقليد فيها لكونها ضرورية، والمعلوم من الدين بالضرورة يستحيل فيه التقليد لاستواء العامة والخاصة فيه، وهي من الفروع، وإن أردتم بعض الفروع فما ضابطه؟ وإن بينتم ضابطه لا يتم لكم المقصود؛ لأن الحد حينئذ لا يكون جامعا، فإنه يخرج عنه ما يقلدونهم فيه من أسباب الأحكام وشروطها وغيرها، وأنتم إنما تقلدون في الأحكام وهي غير الشروط والأسباب، ولذلك قال العلماء الأحكام من خطاب التكليف، والأسباب والشروط من خطاب الوضع، فهما بابان متباينان، ولأجل هذه الأسئلة لا يكاد فقيه من ضعفة الفقهاء يسأل عن حقيقة مذهب إمامه الذي يقلده فيه فيعرفه على التحقيق، وهذا عام في جميع المذاهب التي تقلد فيها الأئمة، وجوابه أن ضابط المذاهب التي تقلد فيها الأئمة خمسة أشياء لا سادس لها الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية، وأسبابها، وشروطها، وموانعها، والحجج المثبتة للأسباب والشروط والموانع. قال (2): فقولنا "الأحكام الشرعية" احتراز عن العقلية كالحساب والهندسة والحسيات وغيرها، وقولنا "الفروعية" احتراز من أصول الدين وأصول الفقه، فإن الشرع طلب منا العلم بما يجب له سبحانه وتعالى، وما يستحيل عليه، وما يجوز وطلب منا العلم بأصول الفقه لاستنباط الأحكام الشرعية، فهي أحكام شرعية لكنها أصولية ولا تقليد فيها، فأخرجنا بقولنا "الفروعية" الأحكام الشرعية الأصولية وهي أصول الدين وأصول الفقه المطلوبين شرعا، وأخرجنا بقولنا "الاجتهادية" الأحكام الفروعية المعلومة من الدين بالضرورة، وقولنا "وأسبابها" نريد به نحو الزوال، ورؤية الهلال والإتلاف سبب الضمان، ونحو ذلك من المتفق عليه، ومن المختلف فيه الرضعة الواحدة سبب التحريم عند مالك دون الشافعي، وضم غير الربوي في نحو مسألة مُدِّ عجوةٍ ودرهم سبب للفساد عند مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة، وحلول النجاسة فيما دون القلتين مع عدم التغير سبب للتنجيس عند الشافعي =

(1)

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، تأليف شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس المالكي القرافي (ت:684 هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية (1416 هـ (1995 م)، دار البشائر الإسلامية- بيروت، ص: 191 وما بعدها. (2) أي القرافي.