شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٥٧٨

{554)

فلا يكون جنسا له و"حكم الأصل على الفرع (1) فصله. "بجامع" احترازا من مساواة شيء وجريه على شيء من غير أمر يجمع بينهما، وإنما قلت "جري" ولم أقل "إجراء" لأن الإجراء حال الفاعل، والقياس معنى إضافي بين شيئين فهو دليل من أدلة الشرع سواء نظر فيه

= وفي الاصطلاح مساواة فرع لأصل في علة حكمه، وذلك أنه من أدلة الأحكام فلا بد من حكم مطلوب به وله محل ضرورة، والمقصود إثباته فيه لثبوته في محل آخر يقاس هذا به فكان هذا فرعا وذلك أصلا لحاجته إليه وابتنائه عليه، ولا يمكن ذلك في كل شيئين بل إذا كان بينهما مشترك، ولا كل مشترك بل مشترك يوجب الاشتراك في الحكم بأن يستلزم الحكم، ونسميه علة الحكم، فلا بد أن تعلم علة الحكم في الأصل، ويعلم ثبوت مثلها في الفرع، إذ ثبوت عينها مما لا يتصور؛ لأن المعنى الشخصي لا يقوم بعينه في محلين، وبذلك يحصل ظن مثل الحكم في الفرع وهو المطلوب، قال: مثاله أن يكون المطلوب ربوية الذرة، فيدل عليه مساواته للبر فيما هو علة لربوية البر من طعم أو قوت أو كيل، فإن ذلك دليل على ربوية الذرة، وربويتها هو الحكم المثبت بالقياس وثمرته، واعلم أن المراد بالمساواة المذكورة في الحد المساواة في نفس الأمر؛ فيختص بالقياس الصحيح، هذا عند من يثبت ما لا مساواة فيه في نفس الأمر قياسا فاسدا، وأما المصوبة وهم القائلون بأن كل مجتهد مصيب - فالقياس الصحيح عندهم ما حصلت فيه المساواة في نظر المجتهد سواء ثبتت في نفس الأمر أم لا، حتى لو تبين غلطه ووجب الرجوع عنه فإنه لا يقدح في صحته عندهم، بل ذلك انقطاع لحكمه لدليل صحيح آخر حدث، وكان قبل حدوثه القياسُ الأُولُ صحيحا وإن زالت صحته، بخلاف المخطئة فإنهم لا يرون ما ظهر غلطه والرجوع عنه محكوما بصحته إلى زمان ظهور غلطه؛ بل مما كان فاسدا وتبين فساده، فإذا لا تشترط المصوبة المساواة إلا في المجتهد، فحقهم أن يقولوا هو مساواة فرع الأصل في نظر المجتهد، هذا إذا حددنا القياس الصحيح، ولو أردنا دخول القياس الفاسد معه في الحد لم نشترط المساواة لا في نفس الأمر ولا في نظر المجتهد، وقلنا بدله أنه تشبيه فرع بالأصل؛ لأنه قد يكون مطابقا لحصول الشبه، وقد لا يكون لعدمه، وقد يكون المشبه يرى ذلك وقد لا يراه انتهى. فظهر مما نقلناه أن المصنف رحمه الله أراد تعريف القياس الصحيح، حيث اعتبر المساواة في نفس الأمر، كما دل عليه قوله (والمراد) به وجود التسوية في الحكم)، فإن الظاهر أنه أراد وجودها في نفس الأمر كما دل عليه سياق كلامه، فيكون ماشيا على قول المخطئة وهو قول أهل الحق أن المصيب واحد ولا يضيق على الناس خلافه، كما تقدم في باب الاجتهاد، والله أعلم.

(1)

في النسخ الثلاث هكذا: وحكم الفرع على الأصل فصله. أقول ما وقع من القلب في التعريف وقع هنا أيضا، وقد سبق التنبيه عليه قبل قليل.