شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٥٨٦562
}
وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَا بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ الأنعام: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (النساء: 59.
= يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله وما يحرم كالظن في الإلهيات والنبويات، وحيث يخالفه قاطع، وظن السوء بالمؤمنين، وما يباح كالظن في الأمور المعاشية، إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ تعليل مستأنف للأمر، والإثم الذنب الذي تستحق العقوبة عليه، والهمزة فيه من الواو، كأنه يثم الأعمال أي يكسرها اهـ.
قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إلخ، قال البيضاوي (1): ليوسوسون إلَى أَوْلِيَآبِهِمْ﴾ من الكفار لِيُجَدِلُوكُمْ) بقولهم تأكلون مما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتل الله، وهو يؤيد التأويل بالميتة، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في استحلال ما حرم إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ) الأنعام: 121، إِنَّكُمْ لَمَشْرِكُونَ الأنعام: 121، فإن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره واتهم في دينه فقد أشرك، وإنما حسن حذف الفاء فيه لأن الشرط فيه بلفظ الماضي انتهى. ولعل وجه تمسك مانع القياس بهذه الآية أن جدالهم يتضمن قياس ما قتله الله على ما قتلوه لأنفسهم أي ذبحوه، يعنون والله أعلم أن ما قتل الله من الميتة أحق مما قتلتموه لأنفسكم، فوسوسوا إلى أوليائهم الكفار بهذا القياس والجدال الباطل ليجادلوا به المسلمين، وقد توعد الله تعالى من أطاعهم وحكم بشركهم؛ فدل على منع القياس. وأجاب المصنف رحمه الله أن الآية إنما تدل على منع الجدال الباطل كما في صورة النازلة، إذ لا يصح القياس مع وجود النص، والنص على أكل المذكى وتحريم الميتة موجود، فلم يصادف محلا لعدم شرطه، والله أعلم.
قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ إلخ، قبلها قوله تعالى يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ النساء: 59، وذكر البيضاوي قولين في أولي الأمر هل المراد بهم أمراء المسلمين في زمن النبي وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية، أو المراد علماء الشرع لقوله تعالى وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النساء: 83، 83، ثم قال (2): واستدل به منكروا القياس وقالوا إنه تعالى أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس، وأجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو القياس، ويؤيد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة: مثبت بالكتاب ومثبت بالسنة، ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس انتهى.
(1)
تفسير البيضاوي: ج 2، ص 180. (2) تفسير البيضاوي: ج 2، ص 80.