شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٥٩﴿to﴾
وأما المقدمات الوهميات والمشبهات فمنع الفرابي (1) الانتفاع بها، وتعلم ليحذر منها. فالوهميات ما يتخيل بمجرد الفكرة بدون نظر العقل، كحكم الوهم بأن الجسم
=
مؤلف من المقدمات المشهورات، بل يجوز أن يكون مؤلفا من المقدمات المسلمة عند الخصم وأن تكون مشهورة، والغرض منه هنا كما ذكر ثمة، يعني إلزام الخصم وإقناع من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان.
قوله وأما المقدمات الوهميات إلخ، إعلم أن القياس المؤلف من الوهميات يسمى مغالطة، وهي قسمان سفسطة ومشاغبة؛ لأنها إن قوبل بها الحكيم سميت سفسطة، وإن قوبل بها الجدلي سميت مشاغبة، والغرض من المغالطة تغليط الخصم وإسكاته.
قوله والمشبهات، أي بالحق أو بالمشهورة وهي مقدمات كاذبة كما أفهمه.
قوله مشبهات وشبه تلك المقدمات بالحق إما من حيث الصورة أو من حيث المعنى، أما من حيث الصورة فقولنا لصورة الفرس المنقوشة على الجدار إنها فرس، وكل فرس صهال، ينتج أن تلك الصورة صهالة، وسبب الغلط فيه اشتباه الفرس المجازي الذي هو محمول الصغرى بالفرس الحقيقي الذي هو موضوع الكبرى، وأما من جهة المعنى فبعدم رعاية وجود الموضوع في الموجبة، كقولنا كل إنسان وفرس فهو إنسان وكل إنسان وفرس فهو فرس، ينتج أن بعض الإنسان فرس، وسبب الغلط فيه أن موضوع المقدمتين غير موجود، إذ ليس لنا موجود يصدق عليه أنه إنسان وفرس، ويسمى القياس المؤلف من المشبهات بالحق سفسطة، ومن المشبهات بالمشهورة مشاغبة.
قوله وتعلم ليحذر منها، قال بعضهم وأعظم فائدة معرفتها الاحتراز عنها، كما قيل: (عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه … ومن لا يعرف الشر من الناس وقع فيه)
ونظير هذا ما ذكروه من وجوب معرفة الشرك.
قوله: فالوهميات ما يتخيل إلخ، يعني فهي مقدمات كاذبة، قال بعضهم: والمراد التي يحكم بها الوهم في غير المحسوسات، وإنما قيدنا بغير المحسوسات لأن حكم الوهم في المحسوسات ليس بكاذب، كما إذا حكم بحسن الحسناء وقبح الشوهاء، فهي تابعة للحس، فإذا حكم على المحسوسات كان حكما صحيحا، وإذا حكم على غير المحسوسات كان كاذبا، كالحكم بأن كل موجود مشار إليه، ووراء هذا العالم فضاء لا يتناهى.
(1)
في النسخ الثلاث: القرافي بدل الفرابي. ولعله وقع تصحيف من النساخ لأن الفارابي هو المشهور بالمنطق والفلسفة، وترجمته: محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلع، أبو نصر الفارابي، ويعرف بالمعلم الثاني (260 - 339 هـ): أكبر فلاسفة المسلمين، تركي الأصل، مستعرب، ولد في فاراب على نهر جيحون، وانتقل إلى بغداد فنشأ فيها وألف بها أكثر كتبه، ورحل إلى مصر والشام، واتصل بسيف الدولة الحمداني، وتوفي بدمشق، كان يحسن اليونانية وأكثر اللغات المشرقية المعروفة في عصره، وكان زاهدا في الزخارف لا يحفل بأمر مسكن أو مكسب، يميل إلى الانفراد بنفسه، له نحو مئة كتاب. ينظر: وفيات الأعيان: ج 5، ص 153. الأعلام: ج 7، ص 20.