شرح مختصر العدل والإنصاف مذيلا بالحواشي أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

شرح مختصر العدل والإنصاف

الجزء ١ · صفحة ٦٥٢

{

628

}

بالاستنباط، وعلى الرابع ما لا تتضح دلالته لتقابل الأشباه وتجاذب الأصول. ومن زاد الواضح؛ فالجلي ما ثبتت علته نصا، والواضح ما اتضحت دلالته، والخفي ما لا تتضح، وتتفاوت مقاماتها ومراتبها فبعضها أخفى من بعض.

= الخطاب، والرابع ما اتضحت فيه وجوه الاستنباط، وجعل تعريف الخفي مفرعا على تعريف الجلي لأنه يقابله كما هو ظاهر، إلا في تعريف الخفي على القول الثالث في الجلي حيث سواه بالقول الثاني وعرفه بما ثبتت علته بالاستنباط ففيه نظر؛ لأن القول الثالث في الجلي هو ما فهم من فحوى الخطاب، فالمناسب من حيث المقابلة أن يقال على الخفي ما فهم بغير الفحوى كالمساوي والأدون، ولكن لما اشترك الثاني والثالث في النصوصية لأن ما

ثبت بالفحوى يصدق عليه أنه ثبت بالنص قابل كلا منهما بالاستنباط، والله أعلم فليحرر. قوله: لتقابل الأشباه وتجاذب الأصول، يعني والله أعلم بأن يكون الفرع يشبه أشياء متقابلة متباينة، فاجتذبته تلك الأصول لاحتمال أن يحمل على كل منها لوجود الجامع في الكل، ولذلك كان القياس خفيا على هذا القول، والله أعلم.

قوله: وتتفاوت مقاماتها ومراتبها، الظاهر أن الضمير راجع إلى دلالة الخفي، ودل عليها ذكرها في تعريف الواضح والله أعلم، ثم إن صاحب العدل رحمه الله مثل الخفي بقوله تعالى إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَدَى ل سبا: 46 الآية، ثم قال (1): وأما خفاؤها فربما يجتمعون مثنى وفرادى ولا يقضون شيئا، وربما يتفكرون فيخطئون وجه الدليل. وقوله: مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ سبا: 46 هذا هو الحق غير أن لهم عادة تشوّش عليهم عقولهم، والعادة طبع خامس، وإن من العادة من خالف العامة فهو مجنون ولا سيما في أمر لم يبصروه، وحقيقة هذا العقلي الخفي إنما خفي عمن أصيب في عقله، إلى أن قال: فإذا تفكر على ما يجب تذكر انتفاء الجنون عمن استقامت أفعاله وصحت أقواله في كل شيء، وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ لم يأخذوا عليه في شيء إلا الذي جاء به، فلو لم يجيء بهذا عندهم لكان أعظم العقلاء، فإذا استقامت أمور محمد عليه السلام كلها عندنا وعندهم إلا واحدة أنه جاءهم بما لا يُعرف ولا يعرفونه عند آبائهم، فينبغي أن يتهموا أنفسهم في الذي جاء به مفردا ويتفكروا فيه إذ كانوا هم العقلاء، والأصل الذي جاءهم به أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد فينظروا وهو من الجائزات، فإن صح ما قال عظمت الآفة وهلكت الكافة، فإن لم يصح ما قال لا ضرر ولا ضرار فليتصفوا هم بالعزم والحزم ويسلموا من الاغترار =

(1) العدل والإنصاف: ج 2، ص 66.