شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٦٦١شرع من قبلنا
{637
}
وأما شرع من قبلنا فقد تقدم الخلاف هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متعبدا بشريعة من قبله؟ فإذا قلنا بتعبده فهل بشريعة نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى؟ ومنهم من توقف وهل بعد البعث كان متعبدا؟ والمختار أنه كان متعبدا إلا ما نسخ بشريعته؛ لأنه كان متعبدا به قبل البعث والأصل بقاء ما كان على ما كان، وأيضا استدلال العلماء بقوله تعالى وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ المائدة: 45 الآية على وجوب القصاص، وأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِي طه: 14 على أن من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها، وأفرط بعضهم حتى سفك به الدماء وهتك به الأستار.
وبقوله
=
المصنف (1): والجواب أن ما ذكرتم من وجوب دليل منصوب من جهة الشارع إنما يصح في إثبات الحكم ابتداء، وأما في الحكم ببقائه فممنوع إذ يكفي فيه الاستصحاب، ولو سلم فلا نسلم أن الدليل منحصر في الثلاثة، بل هاهنا رابع وهو الاستصحاب، فإن ذلك عين محل
النزاع. قوله وبقوله تعالى وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِى إلخ، أي لأن الخطاب لموسى عليه السلام فاستدل به العلماء على أن من نسي صلاة يصليها إذا ذكرها، وفيه بحث لأن قوله (من نام عن صلاة أو نسيها) (2) إلخ روي في الإيضاح وغيره حديثا، اللهم إلا أن يقال أن المستدل قد استدل بشرع من قبلنا وبالحديث، والله أعلم.
قوله: وأفرط بعضهم حتى سفك به الدماء إلخ، أشار بذلك إلى الرد على مالك ومن قال بقوله من قبول قول القتيل عند مشارفته على الموت (قتلني فلان مثلا، قياسا على قول قتيل بني إسرائيل كما في حديث بقرة بني إسرائيل، قال في العدل (3): وأفرط فيه مالك حتى هدم قواعد الشرع، فسفك به الدماء الحرام وأباحها بالتهم، وأجاز للولاة الظلمة استصلاح الثلثين بالثلث، طلب ذلك الإيالة، فكان ذلك ضغثا على إبَّالَة، وتأول فيه قول الله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ
فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمَا الكهف: 80 - 81 وتأول في القسامة وقول القتيل حديث بقرة بني إسرائيل؛ فقبلوا قول القتيل ودعواه على حقه، وقال لا فرق بين القتيل إذا تكلم بعد الموت وبين المشرف على =
(1) شرح العضد، ص: 368.
(2)
سبق تخريجه.
(3) العدل والإنصاف: ج 2، ص 82.