شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٨٢58
}
وأفعالنا خلق من الله، لقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الصافات: 96، واكتساب منا لقوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ البقرة: 286، وغيرها من الآي.
=
والترك كانت الاستطاعة معه، لأن الاستطاعة لا تبقى حالين لأنه لو أعطي القوة قبل الفعل، فلما كان حال الفعل عدمت القوة بطل أن يوجد الفعل بغير قوة، لأنهم اجتمعوا مع المعتزلة أن وجود الفعل يدل على الاستطاعة، فصح لهذا قول من قال إن الاستطاعة مع الفعل، إذ كان كل منهما دليلا على وجود، صاحبه، ولا يبقى أكثر من حال؛ لأنه لما كانت أنها إذا زالت وجد الفعل؛ لأن الآفة ضد القوة، فالضد ثابت حتى
الآفة تمنع الفعل صح يزيله ضده وإلا بطلت الاضداد، ففي هذا إبطال قول من قال إن الاستطاعة قبل الفعل، إلخ ما أطال في الرد عليهم، إلى أن قال وقوله فلن يستطيعوا معناه عندنا على ثلاثة أوجه: لا يستطيعون للزمانة وللخلقة وللتشاغل، أما الزمانة فكالأعمى لا يستطيع البصر، وللخلقة فكالجسم لا يستطيع مدافعة الأعراض عن نفسه، فهذان معذوران لأنهما عاجزان، وأما التشاغل فكتشاغل الكافر بفعل الكفر، فلا يستطيع فعل الإيمان لاشتغاله بضده من الكفر، فهذا غير معذور، وقالت المعتزلة لا يستطيعون للخلقة والزمانة، وأما التشاغل فلا يجوز أن يقال عندهم للتشاغل لا يستطيع إلخ، وذكر المصنف في طبقاته رحمه الله في التعريف بالشيخ أبي الفضل (1): أنه نزل بعض أشياخ قومنا جادو، وهو قوي في العلم، فقال له أبو الفضل بعد محورات ما بيننا وبينكم كفاه المتقدمون، ولكن إن سأل بعض المعتزلة هل كلف الله الكافر الإيمان في حال كفره؟ قال نعم، قال أبو الفضل هل كلفه ما لا يستطيع أو لا؟ فيلزم على الأول الاستطاعة قبل الفعل وعلى الثاني تكليف المحال، فحار ولم يجد جوابا، واسمه أبو إسحاق، فقال لأبي الفضل أوهمت السامعين أن عندك جوابا، فقال نعم كلفه ما لا يستطيع لاشتغاله بالكفر لا لزمانة أو غيرها انتهى قوله ما يستطيع إلخ لعله ما لا يستطيع كما هو ظاهر مما تقدم عن أبي طاهر رحمه الله (2).
قوله واكتساب منا، اعلم أن الكسب والاكتساب معناهما الاقتران والتعلق للقدرة الحادثة فينا بالأفعال التي تصدر منا، من غير تأثير لها أصلا، وإنما أجرى الله العادة أن يخلق فينا عند تلك القدرة لا بها ما شاء من الأفعال، وجعل سبحانه وجود تلك القدرة فينا مقترنة بتلك الأفعال شرطا في التكليف، وبحسب هذا الاقتران تضاف للعبد نحو لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا
اكْتَسَبَتْ البقرة: 286.
(1) كتاب السير: ج 1، ص 220.
(2) ابو طاهر هو الشيخ إسماعيل بن موسى الجيطالي الذي سبق ذكره قبل قليل.