شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٨٣{
09
}
وقالت المجبرة: ليس للعبد في ذلك شيء، بل هو مضطر مجبور، وقالت المعتزلة: أفعالنا خلق لنا بدليل وَتَخلُقُونَ إنكا العنكبوت: 17. وتنقسم أفعال العبد (1) إلى:
قوله: وقال المجبرة إلى قوله وقالت المعتزلة إلخ، حاصله أن المجبرة نظروا إلى جهة الخلق دون جهة الاكتساب والمعتزلة نظروا إلى جهة الاكتساب دون جهة الخلق، وقال الشيخ أبو طاهر اسماعيل رحمه الله: فعمدوا إلى علتين مفترقتين فجعلوهما علة واحدة، ولم يعتبروا أن جهة الخلق والتقدير والتدبير مضافة إلى الله تعالى وجهة التحرك والسكون والطاعة والمعصية مضافة إلى العباد فعمدت المعتزلة من خلق الله أفضله فنحلوه لأنفسهم وهو التوحيد والإيمان، فوصفوا ربهم بالعجز والغلبة فصاروا شركاءه في الخلق والاختراع والقدرة، تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا، وعمدت المجبرة إلى ربهم فوصفوه بالظلم والعدوان، وبرأوا أنفسهم من الإساءة والإحسان، فهدموا بذلك قاعدة الإجماع من الأمة أن الله عدل لا ينسب إليه الجور، فزعموا أنهم مطبوعون على أعمالهم مجبورون على أفعالهم. إلى آخر ما أطال في الرد على الفرقتين.
قوله بدليل وَتَخلُقُونَ إفا العنكبوت: 17، ورد بأن المعنى وتقولون كذبا بأن الأوثان شركاء الله، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال القرآن مخلوق فقد كفر) (2) إن صح الحديث أي مقولا كذبا، واستدلوا بقوله تعالى فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَلقِينَ} المؤمنون: 14، ورد بأن المعنى
المصورين والمقدرين كقوله تعلى وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الدِّينِ المائدة: 110 الآية، أي تقدر وتصور.
110
قوله: وتنقسم أفعال الخلق (3) إلخ، اعلم أن العبد يسمى عند خَلْقِ الله فيه القدرة المقارنة للفعل مختارا، وعندما يخلق الله فيه الفعل مجردا عن مقارنة تلك القدرة الحادثة مجبورا أو مضطرا كالمرتعش مثلا، وعلامة مقارنة تلك القدرة الحادثة لما يوجد في محلها تيسره بحسب العادة فعلا أو تركا، وعلامة الجبر وعدم تلك القدرة التيسر (4)، وإدراك الفرق بين هاتين الحالتين ضروري لكل عاقل، قال في السؤالات في الفرق بين الطبع والاضطرار (5): فكل ما يكون منه الشيء ولا يكون منه ضده فهو طبع، وكل ما يكون من الشيء ولم يكن منه بعد ذلك ضده فقد يكون ذلك اكتسابا ويكون اضطرارا فذلك كله ليس بطبع، وسير =
(1) كذا في النسخ الثلاث، وفي الحاشية: "أفعال الخلق" بدل أفعال العبد. والمعنى واحد لأنه يعني بالخلق المكلفين منهم. (2) هذا ليس بحديث، وإنما هي مقولة حكاها البخاري عن سفيان الثوري، وحكاها أبو نعيم الأصفهاني عن الشافعي، والبيهقي عن البويطي، وقد حكاها غيرهم عن أحمد بن حنبل ووكيع وعبد الله بن المبارك وغيرهم. ينظر: خلق أفعال العباد للبخاري، ص: 30، وحلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني: ج 9، ص 113، والسنن الكبرى للبيهقي: ج 10، ص 349. في الأصل: "العبد" بدل الخلق.
(3) (*)
في العبارة شيء من الغموض. (5) كتاب السؤالات، اللوح: 98.