شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٩٠}
والجزئي الحقيقي ما يمنع تصور معناه
= أليق بصفاء العقول، ولو قيد بالنفس أيضا في المحلين كغيره لكان أظهر، قال بعضهم: لئلا يتوهم دخول مفهوم واجب الوجود في حد الجزئي إذا لاحظه العقل مع برهان التوحيد، فإن العقل حينئذ لا يمكنه فرض اشتراكه، لكن هذا لا يحصل له بمجرد تصويره وحصوله في العقل بل به وبملاحظة ذلك البرهان، وأما بمجرد تصويره فيمكن فرض اشتراكه بين كثيرين، فبالاكتفاء بالتصوير لا تحصل هذه الفائدة كما لا يخفى على المنصف انتهى. وقوله: تصور معناه، اعلم أنه ذكر المعنى في الكلي والجزئي مع أنهما من المعاني حقيقة لأنه جعل مورد القسمة اللفظ، فلا يلزم أن يكون للمعنى معنى فافهم.
قوله والجزئي الحقيقي ما يمنع إلخ، قال بعضهم: اعلم أن الجزئي يقال بالاشتراك على المعنى المذكور، ويسمى حقيقيا؛ لأن جزئيته بالنظر إلى حقيقته المانعة من الشركة، وبإزائه الكلي الحقيقي، وعلى كلّ أخص تحت أعم (1)؛ كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان، ويسمى جزئيا إضافيا؛ لأن جزئيته بالإضافة إلى شيء آخر، فكل حقيقي إضافي ولا عكس، لأن كل جزئي حقيقي مندرج تحت ماهيته المعراة عن المشخصات، فيكون مندرجا تحت أعم فيكون إضافيا، ولقائل أن يقول الجزئي الحقيقي يجوز أن لا تعتبر إضافته إلى ما فوقه فلا يكون جزئيا إضافيا، كذات الواجب تعالى، فإنه جزئي حقيقي لم يندرج تحت ماهية كلية، والكلي الإضافي أخص من الكلي الحقيقي، لأن الحقيقي ما صلح لأن يندرج تحته شيء آخر بحسب فرض العقل سواء أمكن الاندراج أم لا، والإضافي ما يندرج تحت شيء آخر بالفعل (2)، وبين الجزئي الإضافي والكلي عموم وخصوص من وجه، لتصادقهما على الكليات المتوسطة، وصدق الإضافي بدون الكلي في الجزئي الحقيقي، وبالعكس في أعم الكليات التي لا تندرج تحت شيء كالجوهر، وبيان التسمية بالكلي والجزئي أن الكلي جزء للجزئي غالبا، والجزئي كل للكلي كالإنسان فإنه جزء لزيد، فيكون الجزئي الذي هو زيد كلا له، وكلية الشيء إنما تكون بالنسبة إلى الجزئي الذي هو كل، فيكون ذلك الشيء كالإنسان منسوبا إلى الكل كزيد فيكون كليا، وكذلك جزئية الشيء إنما تكون بالنسبة إلى كلي هو الجزء فيكون منسوبا إلى الجزء فيكون جزئيا انتهى. وحاصله أن الجزئي منسوب إلى جزئه وهو الكلي، والكلي منسوب إلى كله وهو الجزئي، فيكون الجزئي كلا للكلي والكلي جزءا للجزئي.
(1) هذه الجملة معطوفة على قوله: "اعلم أن الجزئي يقال بالاشتراك على المعنى المذكور".
(2) لعله بالعقل.