شرح مختصر العدل والإنصاف
الجزء ١ · صفحة ٩٣﴿9﴾
وإن كان جزءا ولم يكن تمام المشترك فهو الفصل، ورسموه بأنه الكلي المقول على كثيرين في جواب (أي شيء هو في حقيقته؟)، وهو الذي تتميز به الماهية عما عداها كالناطق للإنسان.
وإن لم يكن تمام الماهية ولا جزءا منها، بل خارج عارض، فإما أن يمتنع انفكاكه عن معروضه - أي الماهية التي هو عارض لها- أو لا، الأول الخاصة،
قوله فهو الفصل، سمي بذلك لأنه يفصل الماهية عما يشاركها في الجنس، من باب إطلاق المصدر على اسم الفاعل كعدل بمعنى عادل.
قوله: ورسموه إلخ، الظاهر إنه إنما لم يقل فيما قبله من الجنس والنوع ورسموه لأن رسمهما يؤخذ مما ذكره في الضبط والله أعلم.
قوله: وهو الذي تتميز به الماهية عما عداها كالناطق إلخ، هذا هو الفصل القريب، والذي يقع في جواب "أي شيء هو في ذاته؟ " هو الفصل قريبا كان أو بعيدا؛ لأن الفصل إن ميز الشيء عما يشاركه في الجنس القريب فهو الفصل القريب كالناطق بالنسبة إلى الإنسان فإنه يميزه عما يشاركه في الحيوان، وإن ميزه عما يشاركه في الجنس البعيد فهو الفصل البعيد كالحساس بالنسبة إلى الإنسان فإنه يميزه عما يشاركه في الجسم النامي، لأن السؤال عن الإنسان بـ"أي شيء هو؟ " إنما يطلب به ما يميزه في الجملة، سواء ميزه عن جميع ما عداه أو عن البعض، فصح أن يجاب بأي فصل أريد وبالخاصة أيضا، فإن قيد بـ "في ذاته" لم يصح الجواب بالخاصة وصح بالفصل مطلقا، وإن قيد بـ "في عرضه" تعينت الخاصة، فإن سئل عن الإنسان بأي حيوان هو في ذاته تعين الناطق للجواب، لأن السؤال بأي إنما يطلب به ما يميز المسؤول عنه في الجملة عما يشاركه فيما أضيف إليه، أي ولا يميز الإنسان في ذاته عن سائر الحيوان إلا الناطق، بخلاف أي جسم قام هو في ذاته، أو أي جسم هو، أو أي شيء هو، فإنه لا يتعين الناطق كما بين في محله والله أعلم، ويشترط في الواقع في جواب "أي شيء هو؟ " أن لا يكون تمام المشترك بينه وبين غيره فيخرج الجنس
والنوع.
قوله: الأول الخاصة هذا على رأي المتقدمين، فإنهم شرطوا في الخاصة أن تكون لازمة غير مفارقة لأنها التي يعرف بها، وأما المتأخرون فقسموها إلى لازمة كالضحك بالقوة للإنسان، ومفارقة كالضحك بالفعل أيضا.