الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٤ولو رجعت تلك الطوائف إلى التحقيق في هاتين الناحيتين: ناحية العقيدة ومستنداتها، وناحية العمل وتطبيقه، لراجعت نفسها وغيرت حكمها، وتبين لها وجه من الصواب والحق لم يبد لها أول الأمر.
وقد حاول بعض العباقرة في مختلف العصور أن يتخذ هذه الخطوة فاستبان الرشد، وظهر له الحق، ولكنه أحجم عن مواجهة الرأي العام الذي يثق فيه، بما رأى وظهر له، فاتخذ طريقاً وسطاً، وعبر عنه بالجملة المشهورة التي تناقلتها كتب التاريخ: (الإباضية أقرب الفرق إلى أهل السنة).
أما أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فقد كان موقفه أصرح من ذلك، وقد وعد الجماعة أن يحيي كل يوم سنة ويميت بدعة.
وكان من العباقرة الذين حاولوا هذه المحاولة مالك بن أنس، وعبد الملك بن مروان، وابن حزم الظاهري، والشهرستاني والطاهر الزاوي- وحسب الزاوي فخراً أن يذكر مع هؤلاء العباقرة الأعلام- وغيرهم من الذين اتسعت آفاقهم للفهم والبحث والتحقيق، ولم يقتصروا على إشاعة كاذبة، أو دعوى مغرضة أو قول ذهب إليه ناس دون أن يعرفوا شيئا من كتب أصحاب هذا المذهب، ويطلعوا على سلوكهم وسيرهم الاطلاع الكافي، الذي يعطي الصورة الحقيقية لإجراء الحكم.
وكما كان الفرد العادي من الإباضية صورة صحيحة للمسلم الذي يدعو إليه الإسلام، وكان المجتمع الإباضي صورة صحيحة للمجتمع المسلم الذي يقيم شعائر الله، ويحافظ على دين الله، ويعمل جاهداً لتطبيق أحكام الله، حتى