الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤

من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوق، فليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أشبه شيء بهذه الرواية منهم، لأنهم عكسوا الشريعة؛ قلبوها ظهرا لبطن، وبدلوا الأسماء والأحكام، لأن المسلمين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعصون ولا تجرى عليهم أحكام المشركين، فليت شعري فيمن نزلت الحدوح، في المسلمين أو في المشركين؟ فأبطلوا الرجم والجلد والقطع، كأنهم ليس من أمة أحمد عليه السلام. احوالت أعينهم فنظروا في المعنى الذي أمر الله به المسلمين أن يستعملوه في المشركين، من جهاد العدو والجهد في محاربتهم، فاستعملوه في المسلمين) انتهى. وقال في نفس الكتاب(1): (وأما المارقة وهم الخوارج، فلن يخفى على عاقل بسيرة ما ساروا في أهل الإسلام، كسيرة أهل الإسلام في أهل الأوثان والإصنام، كأنما بعث إليهم رسول آخر غير محمد عليه السلام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن ناساً من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فتنظر في النصل فلا ترى شيئا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا، وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا، وتتمارى في الفوقٍٍ] وفي حديث آخر [يخرج من ضئضئي هذا ناس يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية](2).

هذا رأي الإباضية الصريح الواضح في الخوارج، وهو يتلاقى مع رأي الجمهور في التسمية، ويختلف في التعليل، فالأزارقة خوارج، لأنهم أخطأوا تأويل آيات الكتاب، و أدى عملهم بهذا الخطاء إلى ردآيات، وإبطال أحكام، وليسوا خوارج لأنهم انفصلوا عن علي بن أبي طالب بعد التحكيم، أو لأنهم ساروا على الأمويين. إن رأي الإباضية لا يقيم أي وزن للناحية الثورية في اطلاق كلمة الخوارج، ولكنهم يعللونها التعليل الديني المعقول، فكلمة الخوارج لا تطلق إلا على أولئك الذين خرجوا من الدين، أما الخروج عن إمام، والثورة عليه،

(1) 1 الدليل لأهل العقول ص 15

(2) 2 الدليل/: ص52 الجزء الثاني.

٣١ / ١٦٣