الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥

مهما كانت أسباب تلك الثورة، وذلك الخروج، لا يمكن أن يعتبر خروجا من الدين، ومرقا من الإسلام، ولا يصح بحال أن يطبق على القائمين بهذا الحكم القاسي الرهيب، ولو صح أن يعتبروا عصاة بغاة يجب تأديبهم حتى بالحرب لإرجاعهم إلى الأمة. والواقع التاريخي أكبر شاهد على هذا الرأي، فإنه لم يعرف على الأقل فيما اطلعت عليه أن أحدا حكم بالخروج من الدين على أصحاب الثورات الذين ثاروا على أئمة شرعيين؛ كالثوار على عثمان، أو علي، أو عبد الله بن وهب، أوغيرهم. وقد وقف أنصار الخلافة في كل تلك الأحوال للدفاع عن وحدة الأمة، وقاتلوا البغاة قتالا عنيفاً لتأديبهم، وإرجاعهم إلى حضيرة الإمامة، ولكن دون الحكم عليهم بالمروق من الإسلام. فلماذا إذن يطلق هذا الإسم على المعتزلين لعليّ دون سائر الثوار؟

إن هذا الإسم في نظر الإباضية لا علاقة له بالثورة، أو بالخروج عن أي إمام ولا يطلق بحال على جميع الذين اعتزلوا علياً، وإنما يطلق على الفرق التي تأولت آيات من كتاب الله فأخطأت التأويل، وأفضى بها سوء الفهم والتصرف إلى إنكار أورد بعض أحكام الإسلام القطعية، ولو من الناحية العملية، فخرجوا بذلك عن الإسلام، وانطبق عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم خوارج بالعقيدة والعمل، لا بالثورة.

فهل بعد هذا الإيضاح والبيان، يوجد مايدعوني أن أقرر من جديد: أن الإباضية ليسوا من الخوارج، وقد رأيتم رأيهم الصريح في الخوارج، وحكمهم عليهم، وتعليلهم لذلك الحكم.

٣٢ / ١٦٣