الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧١الاجتهاد
ذهب كثير من الفرق الإسلامية إلى إغلاق باب الاجتهاد بعد عصور معينة، حاسبين أنه لن يأتي ناس في مستوى المجتهدين السابقين، وأنه لم يبق في الدين ميدان ينفسح للاجتهاد.
وحينما حجر هؤلاء الجامدون على عقول المسلمين وأفهامهم أن تنطلق، وتحلق في الميادين الفساح التي فتحها الكتاب الكريم بدعوة المؤمنين إلى الانطلاق والتحرر والتفكير، جمدوا الإسلام من جهة أخرى على نظرات وبيئات وأزمنة خاصةز
وقد عرف الإباضية منذ أول وهلة، أن هذه الفكرة الجامدة لا تتمشى مع روح الإسلام الذي يصلح لكل زمان ومكان، فإن الإسلام بعد أن رسم الحدود التي لا ينبغي تخطيها، أراد المسلمين أن ينطلقوا بمواهبهم وأفكارهم، وعلومهم وأفهامهم في ميادين الحياة، يرودون المجاهيل، ويفتتحون المغالق وينيرون السبيل أمام أفواج البشرية في جميع الإعصار والأمصار، لم يحجر على أواخر الأمة ما أباحه لأوائلها، والمسلمون في جميع العصور لا يتفاضلون إلا بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، والكفاح المتواصل في سبيل الله، باستثناء شرف الصحبة لأولئك النفر الذين اختارهم الله أن يكونوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والدفعة الأولى التي تحمل مشعل الهداية لخير البشرية الضالة.
إن حاجة المسلمين إلى المجتهدين في العصور المتأخرة، وإلى أبحاثهم في هذه المشاكل الكثيرة، التي تعرضها الحضارات المختلفة على الأمة، أشد من حاجتها إليهم في الأزمنة السابقة، ووصول العاملين من هذه الأمة إلى الاجتهاد أيسر في هذه