الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٢

العصور لسهولة المواصلات، وإمكان اتصال العلماء، وحصولهم على جميع المصادر التي تساعدهم عل أبحاثهم ومناقشتهم.

ولما كان الإباضية يعتقدون أن ما فتحه الله لأوائل هذه الأمة لا ينغلق عن آخرها، وأن باب الاجتهاد الذي تركه (محمد صلى الله عليه وسلم) مفتوحا على مصراعيه، لا يمكن أن يغلقه فقيه مغلق الفهم، ولذلك فقد ناقشوا قضية الاجتهاد والمستوى العلمي الذي يؤهل صاحبه للقيام بهذا العبء. وهل يصح الاختصاص فيه لمن استكمل شرائط الاجتهاد في قسم دون قسم؟ لئلا تتوقف الملكات والمواهب في ميدان من ميادين العلم والحياة، من أجل ميدان آخر تعمل فيه ملكات وعقول أخرى.

ولعل فيما كتبه العلامة السالمي في هذا الموضوع كثيرا من الإيضاح والتحقيق، فاستمع إليه يقول بعد أن أوضح الشروط التي يجب أن تتوفر في المجتهد، كالعلم باللغة، وأصول الدين وأصول الفقه، ومصادر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع: (أما إذا اختل منها بعض الشروط، وكان عالما بشيء دون شئ، كما لو كان عالماً بأدلة النكاح، دون غيرها. أو بأدلة البيوع دون غيره، أو نحو ذلك. وكان متقناً بما علم منها اتقاناً تاماً. فهل يجوز له أن يجتهد في استنباط ما علم من الأحكام؟ أم لا يجوز له حتى يكون عالماً بجميع أحكام الكتاب والسُّنة؟

ذهب الإمام الكدمي رضي الله عنه إلى جواز ذلك، ونسب هذا القول إلى أكثر الأصوليين، وقيل لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، وإن عرف من ذلك البعض الأدلة التي تتعلق بها أحكامه، وهذه المسألة معروفة عندهم، بتجزئ الاجتهاد، والصحيح ما عليه الإمام من جواز ذلك. لأنه لو اشترطنا

٦٧ / ١٦٣