الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٣كمال الاجتهاد في كل فن، بحيث لا يجهل المجتهد شيئا من المسائل الاجتهادية، لكمال علمه بمأخذ كل مسألة، وإلا كان قاصراً، وقد سئل مالك بن أنس عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع. وقال في البقية لا أدري، فلولا أنه يصح الاجتهاد في مسألة دون أخرى، لما جاز له أن يجيب عن البعض، وكذلك نقل عن بعض الصحابة: التوقف في مسائل الأحكام، معاذ وابن عمر وغيرهما، وكذلك عن التابعين، وتابع التابعين، حتى صار ذلك شعاراً في علماء الآخرة، فلو لم يكن الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض جائزاً ما ثبت هذا التوقف عنهم.(1)
هكذا بكثير من السماحة والوضوح والتحرر، يناقشون المشاكل مستندين إلى عمل الصحابة والتابعين، وسيرة السلف الصالحين، لا يحجرون ما وسعه العلم، ولا يحرمون ما أحله الدين، ولا يتركون مشاكل العصور المتتابعة تتراكم مزدحمة على أبواب من الاجتهاد أغلقتها أفهام بليدة، لتعود هذه المشاكل القهقرى لتتطلب الأحكام من علماء قد بليت عظامهم، وفنيت أنظارهم، واستوفوا آجالهم منذ قرون مديدة …
وإنه لمما يبعث على انشراح قلوب المؤمنين أن أدرك أكثر علماء المسلمين في هذا العصر، صواب هذه النظرة عند الإباضية، فانتفضوا يقطعون هذه السلاسل التي كبلت فرقا من المسلمين عصوراً طويلة، ويكسرون هذه الأبواب التي أغلقت دون الانطلاق في سماء التفكير والاجتهاد، ويقتحمون هذا الميدان المحجور الذي خصصته النظرة الجامدة متحفاً للموتى، ويبيحون للمسلمين ما أباحه الله لهم، بل وندبهم إلى السباق فيه فقال:
(1) 1 شرح طلعةالشمس ج: 2: 278.