الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٤) فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: من الآية122)
ومن المحقق أنه ليس مطلوباً من هذه الطائفة التي تدعى لحمل رسالة الله وتفقيه المسلمين في الدين، وإنذارهم عندما يستكملون عدة الدعاة من الإيمان والعلم والعمل. ليس مطلوباً من هذه الطائفة أن يكونوا حملة لمسائل جافة، وقضايا مسلمة، يختزنونها في ذواكر جامدة، كأنها طبعة مكررة، لكتب محفوظة. فإن أمثال هؤلاء لا يصح أن يوصفوا بالفقه، ولا يستطيعون الإنذار، ولا يقوون على حمل رسالة الله.
وقد يكون الأستاذ الإمام من أوائل من حطم الجمود، وحمل لواء الثورة على الرجعية الدينية التي تحكمت في المسلمين عدة قرون، وتوقفت بهم دون تقدم، تنظر في حيرة وارتباك إلى موكب الحياة يتغلغل بالبشرية في أطواء الزمن، ودعا إلى التحرر من هذا القيد الذي كبل به جهلة الفقهاء انطلاقة الفهم الإسلامي العميق لأحداث الزمن وتطورات الحياة.
كان الإباضية منذ العصر الأول ممن وعى هذه الحقيقة، وفهم روح الإسلام التي دعا إليها في الكتاب الكريم، وهدى رسوله القويم في توجيهه لأصحابه رضوان الله عليهم كما فعل عليه السلام مع معاذ بن جبل حتى حمد الله على توفيق رسول رسول الله. فلم يسمحوا لهذا القيد أن يغل أيديهم، ولهذا الحجْر أن يقف دون انطلاقهم، ولهذا الجمود أن يسيطر على عقولهم وأفهامهم وعلومهم، وذلك لأنهم يعتبرون مدارك الناس ومواهبهم متساوية، وكما أمكن أن تجيء القرون الأولى بالعمالقة والأعلام.