تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٠٢خزنة النار (1) غلاظ شداد، والشياطين معذَّبون مكبَّلون مغلولون [في النار] (2)، لا يُفتّر عنهم، وهم جنود أبليس أجمعون.
وأما التكليف ولا مثوبة ولا عقوبة فعلى أصل الأشعرية فهو جائز؛ لأن الثواب عندهم مَنْ مِنَ الله وفضل (3) ولا واجب عليه، والعقابُ عدل منه حيث هو لا شريك له في ملكه ولا مدير معه في الأمر، ومن ههنا جوزوا تكليف ما لا يُطاق (4) وإيلام البريء، فلو عذب الله عز وجل عندهم جميع النبيين والمرسلين لكان غير مستنكر عندهم ولا قبيح؛ لأنه هو الذي خلقهم وأوجدهم، ففعله كله حكمة وعدل، ولا يقع منه جور ولا ظلم؛ حيث الجور والظلم هو التصرف في ملك الغير ولا غير معه، يفعل في ملكه ما يشاء، ويَحكُم في خلقه ما يريد حتى جوّز بعضُهم تكليف المحال عقلاً، وسوغه بعضُهم شرعاً، واستدلوا بقوله: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} البقرة: 286، فلولا إمكانه عندهم شرعاً لم يُؤمروا أن يستعفوا منه (9). وعلى أصل المعتزلة والإباضية لا يجوز أن يأمرهم إلا ويجعل مع الأمر داعياً يدعوهم إلى الفعل ويرغبهم فيه، ولا أن ينهاهم إلا ويجعل مع النهي زاجراً يُنفِّرُهم عنه ويُبعدهم منه، ولا يجوز عندهم تكليف ما لا يطاق، ولا تكليف المحال، وأنه قبيح شرعاً وعقلاً؛ إذ لا يليق برحمة الرحيم، ولا بحكمة الحكيم العليم، قال الله سبحانه: يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ النساء: 28، وقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
البقرة: 185، وقال: مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُم النساء: 147، وأما أن يُكلفهم ويجعل ثوابهم ترك عقابهم في الطاعة، أو يجعل عقابهم ترك ثوابهم بالمعصية؛ فهو جائز
(1) في (ب) و (ج) ومنهم خدمة النار"، والمعنى واحد.
(2) ساقط من (ب) و (ج). (3) في (أ): "من الله وفضله".
(4) القول بجواز تكليف ما لا يطاق مشهور عند الأشاعرة، وخالفهم في ذلك المعتزلة وغيرهم، وقد نسبه إلى الأشعري إمام الحرمين والغزالي وغيرهما، وتبعه في ذلك كثير من أتباعه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: "ربنا" ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، وخالف في ذلك الغزالي من الأشعرية فاختار في "المنخول" استحالة التكليف بما لا يطاق. ينظر: الجويني، (البرهان)، مصدر سابق، ج 1، ص 15. الغزالي، (المنخول)، مصدر سابق، ص 22. الرازي (المحصول)، مصدر سابق، ج 2، ص 215. القرافي، (شرح) تنقيح الفصول)، ج 1، ص 143. التفتازاني، مسعود بن عمر بن التفتازاني (ت:792 هـ)، (شرح التلويح على التوضيح)، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، طا، دار الكتب العلمية - بيروت، بدون تاريخ، ج 1، ص 367. الإسنوي، عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي (ت: 772 هـ)، (نهاية السول شرح منهاج الوصول)، تحقيق: عبد القادر محمد علي، ط 1، دار الكتب العلمية - بيروت، (1420 هـ 1999 م)، ص 67. (5) في (ب) و (ج): "لما أمروا أن يستغفروا منه".
94
}