تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١١١والسعي بين الناس بالصلح (1)، وحسن المعاشرة، واللين] (2) في غير ضعفٍ، واجتناب النقائص والريب والبعد من الفواحش، وتجنب السَّفَه والفجور والخنا وتتبع المعايب، والتنزه عن السفسفة (3) ومداني الأمور، والامتعاظ مما يدنس العرض، ويقدح في المروءة، ويحطُّ الشرف. ألا تراه كيف يَنبُل على أعمامه ويُقاتِل معهم في حرب الفجار (4)، وكيف أصلح بين قريش في رفع الركن الأسود في البناء بعدما كادوا يقتتلون (5)، هذا كله قبل مبعثه، وغير ذلك مما لا يُحصى كثرةً في اكتساب المحامد واجتناب المذام، وهي أخلاق جُبِلَ عليها من لدن الله عز وجل هداية، ومن تلقاء نفسه طبعاً لا ديناً ولا تديناً. وهذه مسألة وقع فيها الاختلافُ من جهة الظنّ والقياس لا غير، ولا قاطع فيها، وقد تقابلت فيها وجوه الاحتمالات، حتى وقع فيها بين أصحابنا ما وقع، وغلا فيها أهلُ الجبل (6) حتى كادوا يقعون في قطع العُذرِ والبراءة، ووقع في ذلك مَن وَقَعَ منهم، ثم بعد ذلك اتفق الجميع على التوقف والكفّ عنها وعن صواحبها من المسائل، وحَجَرُوا والزمُوا الحَرَج، وضيَّقوا بالخُطَّة (7) والهجران والعُقوق على من يذكُرُهن؛ لئلا يوجب ذلك التفرقُ وشقُّ العصى
=
الحديث. أخرجه البخاري (3)، بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-. ومسلم (252)، كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاهما من طريق عائشة. (1) في (ب) و (ج) والسعي بين الناس بالصلح في النوائب". (2) ساقط من (أ).
(3) السفساف: الرديء من كل شيء، والأمر الحقير، ومن الدقيق: ما يرتفع من غباره عند النخل، ومن الشُّعر: رديئه، وأسَفَّ: تتبع مداق الأمور، وهرب من صاحبه، وطلب الأمور الدنيئة. ينظر: الفيروزآبادي، البحر المحيط)، مصدر سابق، مادة "السفيف"، ص 819.
(4) شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حرب الفجار، وكانت بين هوازن وقريش، أخرجه أعمامه معهم، وله أربع عشرة سنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: (كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار). وإنما سمي يوم الفجار لأن بني كنانة وهوازن استحلوا الحرم وقال ابن إسحاق هاجبت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة. ينظر: ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري البصري (ت: 213 هـ)، (السيرة النبوية)، تحقيق: محمد علي القطب ومحمد الدالي، بدون طبعة المكتبة العصرية - بيروت، (1421 هـ - 2001 م)، ج 1، ص 137. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي (ت:597 هـ)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا
ومصطفى عبد القادر عطا، ط 2، دار الكتب العلمية - بيروت، (1415 هـ - 1995 م)، ج 2، ص 296.
(5) كان ذلك عندما هدمت قريش الكعبة، وأعادت بناءها، فاختلفوا في من يضع الحجر الأسود في مكانه، وكادوا يقتتلون، ثم احتكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوه بثوب، ثم أخذ الركن بيده فوضعه فيه، وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا. ففعلوا كما أمرهم، ثم وضع الحجر بيده الشريفتين في مكانه. ينظر: ابن هشام، السيرة النبوية)، مصدر سابق، ج 1، ص 146. الطبري، تاريخ الرسل والملوك)، مصدر سابق، ج 2، ص 290.
(6) يعني أهل جبل نفوسة في ليبيا، وسيأتي تفصيل أكثر في هذه المسألة.
(7) من خلال سياق الكلام يبدو لي أن مراده "بالخطة" لا يخرج عن عما ذكره بعدها من الهجران والعقوق. وقد كان لإباضية المغرب نظام اجتماعي يوصي بهجران ومقاطعة كل من يحدث في الدين حدثا أو يركب كبيرا من الذنوب.
{
103
}