تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١١٤روايتان عنها، إحداهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَتَحَنَّثُ (1) - بالثاء المُثلَّثَة- في غار حراء الليالي ذواتِ العدد، ولم تذكُرُ في هذه الرواية رجب ولا غيره، ومعنى يَتَحَنَّثُ- فيما ذكر صاحب الإعلام (2) - أي يضعُ ويبعد عن نفسه الجنثَ وهو الذنب، يقال: تَحَنَّثَ الرجلُ إِذا استغفر وندم على الحِنث وهو الذنب، وحَنَثَ إذا وقع في الذنب. قال الزمخشري (3): "يقال: تَحَنَّثَ إذا تَأَثَّم وتَحرَّج"، والحِنثُ العظيم في سورة الواقعة هو الشرك (4)، وقال بعضهم: هو الذنب، ومنه يقال بَلَغَ [الغلامُ () الحِنْثَ إذا بلغ وقتَ المؤاخذة بالذنب. وأمَّا الرواية الثانية عنها: "يَتَحَنَّف". بالفاء- في غار حراء ليالي رجب وله وجهان أحدهما أن العرب تعاقبُ بين الثاءِ المُثلَّثَة وبين الفاء، فيقولون: جَدَثَ وَجَدَفَ، ولِثَامٍ ولِفَام. والثاني أنه يَتَعَبَّدُ بالحنيفية من قولهم: رجلٌ حني أي مائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وهذه إشارة إلى التدين والتعبُّد بملة إبراهيم عليه السلام وجراء جبل بمكة، وغاره باقٍ إلى الآن فيما سمعت، والقصة مستوفاة بشرحها في أول كتاب الجواهر المنتقاة، الذي كتبتُه في تتميم ما أخلَّ به كتابُ الطبقات، وفَلَقُ الصبح وفَرَقُه- باللام والراء- بياضُه المنتشرُ منه جنوباً وشمالاً، وزيد بن عمرو هو ابن عمّ عمر -رضي الله عنه-، وعمرو بن نفيل والخطاب بن نفيل أَخَوَان، وحديثه وقصته مذكورةٌ في سير ابن إسحاق (6)، وهو
القائل:
وهو القائلُ أيضاً:
(1) ساقط من (ج).
سبحوا الله شرف كلِّ صباحٍ … طلعت شمسه وكلّ هلال (7)
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمت … له المزنُ تَحمِلُ عذباً زلالاً (8)
(2) كذا في (أ)، والذي في (ب): "الكشاف"، وفي (ج): "الكتاب". ولم أجده هذه العبارة في تفسير الكشاف. (3) الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: 538 هـ)، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، ط 2، دار إحياء التراث العربي- بيروت، (1421 هـ - 2001 م)، ج 4، ص 462. (4) يشير إلى قوله تعالى: "وكانوا يصرون على الحنث العظيم" (الواقعة: 46).
(5) ساقط من (ب) و (ج).
(6) ينظر: ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي (ت: 151 هـ)، (السير والمغازي)، تحقيق: د سهيل زکار، ط 1، دار الفكر - بيروت، (1398 هـ - 1978 م)، ص 118.
(7) هذا البيت من مطلع قصيدة من خمسة عشر بيتا في الحكم والمواعظ، ذكرها ابن هشام في سيرته نقلا عن ابن إسحاق، وذكر أن هذه الأبيات لأبي قيس صِرمة بن أبي أنس بن صرمة. ينظر: ابن هشام، السيرة النبوية)، مصدر سابق، ج 3،
ص 134.
(8) البيت هو أحد أبيات قالها زيد بن عمرو معترفا بالخالق سبحانه وتعالى، وأنه هو المصرف والمدبر لكل ما يحدث في هذا الوجود ينظر: ابن إسحاق السير والمغازي)، مصدر سابق، ص 117.
(10)
}