تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١١٩فصل
هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متعبداً بشريعة أحدٍ من الأنبياء حين أُرسل إليه قبل أن تشرع له شريعتنا (1)؟ وهل نَسَخَتْ شريعته كل شريعةٍ كانت قبله؟ أو نُسختْ الشرائع التي قبله بقوله: ﴿يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف: 158؟ الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسائل؛ فقال بعضهم: إنه أمر أوّل وَهْلةٍ بشريعة نوح عليه السلام، بدليل قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ النساء: 163، فهذه الآية لا تقتضي أكثر من أنه شَمِلهم بالوحي، وقال بعضهم: بل تُعبِّد بشريعة عيسى عليه السلام؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أنا أحقُّ بعيسى بن مريم لأنه لا نبي بيني وبينه) (2)، وبمكان وَضْعِه كفَّه على صورة عيسى عليه السلام (3) أيام دخوله مكة، حين أَمَرَ عثمان بن طلحة (4) أن يمحو الصور التي في الكعبة كلها إلا ما تحت يده ()، وقال بعضهم: بُعِثَ أولاً بشرائع أولي العزم من الرسل،
(1) في (ب) و (ج): شريعته"، والمعنى واحد.
(2) أخرجه البخاري (3443)، كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى واذكر" في الكتاب "مريم" الآية. ومسلم (144)، كتاب الفضائل: باب فضائل عيسى عليه السلام. كلاهما من حديث أبي هريرة، ولفظه عند البخاري: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد). (3) في (ج): "على صورة عيسى ومريم".
طلحة
(4) عثمان بن طلحة بن أبي طلحة القرشي العبدري، حاجب البيت الحرام كانت هجرته في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد، فلقيا عمرو بن العاص مقبلا من عند النجاشي يريد الهجرة، فاصطحبوا جميعا، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم رمتكم مكة بأفلاذ كبدها فأسلموا، ثم شهد عثمان بن فتح مكة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الكعبة إليه وإلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وقال: (خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ثم نزل عثمان بن طلحة المدينة، فأقام بها إلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انتقل إلى مكة فسكنها حتى مات بها في أول خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين، وقيل: إنه قتل يوم أجنادين. ينظر: ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري (230 هـ)، (الطبقات الكبرى)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط 2، دار الكتب العلمية- بيروت، (1418 هـ 1997 م)، ج 6، ص 6. ابن عبد البر، الاستيعاب)، مصدر سابق، ج 3، ص 1034. ابن الأثير، (أسد الغابة)، مصدر سابق، ج 3، ص 572. الذهبي، سير أعلام النبلاء)، مصدر سابق، ج 3، ص 10. (5) لم أجده بهذا اللفظ في شيء من كتب الصحاح والسنن، وإنما ذكره الفاكهي في أخبار مكة باب ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية. وقد علق عليه المحقق بقوله: قوله" قال ووضع كفيه على صورة عيسى عليه السلام وقال امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي إلخ .... هذه الزيادة المدرجة لم تأت في طرق من طرق حديث إخراج الصور والتماثيل من الكعبة الذي رواه أصحاب السنن، ومفادها متروك وباطل بوجوه؛ الأول: أنه لا معنى لتخصيص المحو بما عدا هاتين الصورتين، وقد جاء في حديث ابن عباس في البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت .... الوجه الثاني: أن إقراره صلى الله عليه وسلم على إبقاء هاتين الصورتين إقرار على منكر كما تشهد لذلك الأحاديث المتواترة، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل … ، الوجه الثالث: أنه كيف يصح=
{
111