تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٣٩بالشَّجِي (1)، ويقولُ ليس بعشك فادر جي (2)، وإذا أردت أن تشم رائحةً من منافح ما أَشمَّكَ وهَزَّك ودعاك إليه فعليك بأول كتاب جواهر القرآن ودرره (3)، فاقرأه من أوله ومن فاتحته وبدايته، ولستُ أعني لك كتاب الأربعين في أصول الدين (4)، وقد نصَّ في أوله على بعض الحشرات، وهي أضعفُ خلق الله سبحانه بشهادة القرآن العظيم بذلك، فاستكشف أسرار وعجائب وبدائع من حكمة الحكيم العليم، الواحد القادر العزيز الرحيم، وهى البعوضة، والذباب والعنكبوت، والنحل، وكيف هداها الحكيم العليم وأرشدها إلى وجوه منافعها، وساقها وحتَّها على تحرّي مصالحها، واهتدت في ذلك إلى ترتيبات وتلطُّفاتٍ في هندسة وتقدير أشكال، حتى حصلت المنافع، ودفعت المضار والمفاسد من الحر والبرد والمطر، وتحصنت في مساكنها بتسوية بيوتها من أعدائها من الهوام المعادية لها، وكيف تلطَّفتْ واحتالت وتسببت في اكتساب معاشها وأقواتها بوجوه من الحِيل والتسبُّبات (5)، حتى وصلت إلى جميع ذلك ونالته، وكيف أرشد النحل من بينها إلى بناء الشكل المسدس في بيوتها، القائم على ستّ زوايا؛ لما فيه من فائدة الرَّس (6) وعدم التَّخلُّل، وقد أقرَّ بالعجز عنه حُذاقُ البناة والمهندسين، فلو كُلّف أحذقُ من على بسيط الأرض من المهندسين] (7)
(1) الشَّجِي: المهموم المشغول البال، والخَلِي: ضد الشَّجي، وهو الفارغ من الهم. وفي المثل: ويل للشَّجِي من الخَلِي، بتخفيف الياء في الشَّجِي، وبعضهم يشددهما جميعا، وهو فعيل بمعنى مفعول. ينظر الفراهيدي، كتاب (العين)، مصدر سابق، مادة "شجو"، ج 6، ص 156. ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي (ت: 458 هـ)، (المحكم والمحيط الأعظم)،
تحقيق: عبد الحميد هنداوي، ط ا، دار الكتب العلمية - بيروت، (1421 هـ - 2000 م)، مادة "شجو"، ج 7، ص 515. (2) هذا من أمثال العرب السائرة، فقولهم: "ليس بعُشَّك فادرجي": أي ليس مما ينبغي لك هذا الأمر، فزل عنه وتنحى. والعش: ما يكون في الشجرة، وقد عشش الطائر، والدَّرَجَانِ والدُّروج: المضيُّ في تقارب خَطْرٍ وَضَعْفِ مَشي. والشارح اقتبس هذه العبارة من مقامات الحريري، حيث ذكر الحريري هذه العبارة بنصها في "المقامة الشتوية"، أعني قول الشارح: "وهو يلهو بنا لهْوَ الخليّ بالشَّجيّ. ويقول: ليسَ بِعُشْكِ فَادْرُجي". ينظر: العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري (395 هـ)، (جمهرة الأمثال تحقيق د أحمد عبد السلام وآخرون، ط ا، دار الكتب العلمية- بيروت، (1408 هـ 1988 م)، ج 2، ص 163. الحريري، مقامات الحريري)، مصدر سابق، ص 366.
(3) كتاب جواهر القرآن وهو في علوم القرآن، من تأليف أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: 505 هـ)، والكتاب مطبوع في مجلد واحد، طبعته دار إحياء العلوم بيروت، بتحقيق د محمد رشيد رضا القباني، وكانت الطبعة الثانية بتاريخ (1406 هـ 1986 م).
(4) كتاب الأربعين في أصول الدين، هو كتاب في أصول الدين، من تأليف فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (606 هـ)، والكتاب مطبوع في جزئين، طبعته مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، بتحقيق: د أحمد حجازي السَّقا. (5) في (ب) و (ج) بوجوه من الحيل والهيئات".
(6) قال الخليل: "الرس: إحكام البناء مثل الرَّص". ينظر: الفراهيدي (كتاب العين)، مصدر سابق، مادة "رسس"، ج 7،
ص 191.
(7) ما بين المعكوفين ساقط من (ج).
[131]
}