تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٤٢ثوابها وعقابها المقصوران على الدنيا فلأن الله تعالى لم يخلقها للسعادة فى الآخرة ولا للشقاوة، ولذلك يقول لها كوني تراباً (1)، وإنما خَلَقَها للدلالة والشهادة على قدرة الخالق ووحدانيته، وعلمه وحكمته، ولطفه ورأفته ورحمته، وسَخَطِه وعقابه وبطشه، وانتقامه، حيث سخَّرها وأذلَّها وأباحَ أكلها، وأقدَرَ عليها من يُؤلِمُها ويُتعِبُها ويذبحُها ويأكلُها، وحيث أقدر بعضها على بعض، وجعل لها من جنسها سادةً وقادةً وأُمراء وعُرفاء، وتابعاً ومتبوعاً، وأمراً ومأموراً، وعزيزاً وذليلاً، وما من صنف منها [مما] (2) يمشي على بطنه، أو ذوات الأربع، وما يمشي على رجلين، وذوات الأجنحة، والحشرات بأصنافها؛ إلا وفيه خاصية وحكمة [ما لم تكن] (3) في غيره، ولولا ما نتجنَّبه من التطويل؛ فإن العمر قصير، فائت، والزمان متغير، والهمم قاصرة، والعلم مهجور (4)، والباحث معدوم، والمستفيد والمفيد مفقود؛ لبسطنا في ذلك، واستكشفنا فيه أسراراً، وقصصنا فيه أخباراً، وأبرزنا فيه من الخُدور عَرائسَ تُجْتَلي، لكن البضاعة كاسدة، والسوق باردة ()، فإنا لله وإنا إليه راجعون على مصابنا في أنفسنا وأعمارنا وأعصارنا، كما روي عن أبي الشعثاء (1) -رضي الله عنه: "لو أراد الله بنا خيراً كنا في زمان الخير " ()، -رحمه الله ورضي عنه، فلو شاهد ما نحن
فيه.
(1) أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة موقوفا، في قوله عز وجل: "أمم أمثالكم" (الأنعام: (38) قال: "يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم، والدواب، والطير، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فذلك "يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا النبأ) (40). أخرجه الحاكم في المستدرك (3231)، كتاب التفسير: باب تفسير سورة
الأنعام. (2) ساقط من (أ) و (ج).
(3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) في (ب) و (ج): "والعلوم مهجورة" بصيغة الجمع. (5) في (ب) و (ج): "والأسواق باردة".
(6) أبو الشعثاء جابر بن زيد اليحمدي الأزدي العماني البصري (ت: 93 هـ)، من كبار التابعين، وهو في طبقة الحسن البصري وابن سيرين، ولد بقرية "فرق" في ولاية نزوى بعمان، ولما بلغ أشده قصد البصرة وكانت من عواصم العلم والسياسة، واتخذها دار مقام ومدرسة علم، روى عن الكثير من الصحابة منهم عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وغيرهم. كان إماما في التفسير والحديث والفقه يروى عنه أنه قال: "أدركت سبعين بدريا فحويت ما عندهم إلا البحر الزاخر"، وقال فيه ابن عباس: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علما يروى أنه بعد موت جابر بن زيد قال أنس بن مالك: مات أعلم من على ظهر الأرض". من أبرز تلامذته: أبو عبيدة مسلم، وضمام بن السائب، وقتادة، وغيرهم ينظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى)، مصدر سابق، ج 7، ص 133. النووي، (تهذيب الأسماء واللغات)، ج 1، ص 141. الذهبي، سير أعلام النبلاء)، ج 4، ص 481. الشماخي، (كتاب السير)، ج 1، 67. السالمي، (شرح الجامع الصحيح، مصدر سابق، ج 1، ص 7. (7) بحثت عن هذه المقولة ولم أجدها لجابر بن زيد ولا لغيره.
{134
}