باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

وَلَقَدْ وَانَيْنَا دَاوُرَدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًا} النمل: 15، فتتبع البحث (1)، واستكشف تفسير الفضل والعلم،

وحقائقه وأسراره، ينكشف لك ذلك كله، ولولا التطويل لتتبعتُ ذلك فصلاً فصلاً، وشرحته قولاً قولاً بعون الله الكريم، والله المستعان.

قوله: "واصطناع الهيكل العظيم"، الهيكل في كلام العرب هو الجُرمُ العظيم الوثيق، والبناء المحكم الموثق المُرفَّع هيكل، وبيتُ عبادة اليهود والنصارى يُسمى هيكل (2)، والصرح المُمرَّد في الآية هو بركة عظيمة، بُنيت على باب قصر سليمان عليه السلام، وضُرِبَ عليها قنطرة من زجاج، فلما وُضِعَتْ على الماء شابهت لون الماء، حتى لا يتميز الماء من الزجاج، ولا الزُّجاج من الماء. وذلك أن الشياطين لما خافوا (3) أن يتزوج سليمانُ بلقيس بعد إسلامها فتكشف له أسرارهم من قبل أن الجنَّ أخوالها، وأمها بارعة بنت عمرو بن شراحيل ملك الجن، فسَعَوا بها إلى سليمان وقالوا إنها مُزغبة الساقين (4)، وقدمُها كحافر الحمار، فبنى الصَّرِحَ ليختبرها ويطَّلع على ساقيها وقدمها، فلما رأت البركة مملوءةً ماءً والقنطرة عليها حسبتها لُجَّة وكشفت عن ساقيها، فرآها من أحسن الناس ساقاً وقدماً، وعَلِمَ أن الشياطين كاذبون، فتزوجها بعد إسلامها وردها إلى بلادها، وأقرها على ملكها (5). والذين يذهبون بهذا كله إلى الأمثال، ويحيدون فيه عن الحقائق [إلى

(1) في (ب): "فتتبع وابحث".

(2) كذا فسره أيضا أصحاب المعاجم، ولكنهم قصروه على بيت النصارى، أو مكان عبادة النصارى، ولم يذكروا شيئا عن اليهود. ينظر الفراهيدي (كتاب) العين، مصدر سابق، مادة "هكل"، ج 3، ص 377. الجوهري، الصحاح)، مصدر سابق، مادة "هكل"، ص 1205. الزركشي، القاموس المحيط)، مادة "الهيكل"، ص 1072. ابن منظور، لسان العرب)، مصدر

سابق، مادة "هكل"، ج 11، ص 700. (3) في (أ): وذلك أن الشيطان لما خاف … إلخ".

(4) مُزغَبة الساقين أي بهما شعر صغير خفيف، والزَغَب بفتحتين صغار الشَّعْر وليِّنُه حين يبدو من الصبي، وكذلك من الشيخ حين يَرِقُ شعره ويضعف. ينظر: الفيومي، أحمد بن محمد بن علي الفيومي (ت: 770 هـ)، (المصباح المنير في غريب الشرح الكبير)، بدون طبعة، مكتبة لبنان بيروت، بدون تاريخ، مادة "الزغب"، ص 96. ابن منظور، لسان العرب)، مصدر سابق، ج 1، ص 450.

(5) ممن ذكر هذه الروايات في قصة سليمان مع بلقيس الطبري في جامع البيان، وابن أبي حاتم في تفسيره، والثعلبي في الكشف والبيان، والله أعلم بما يصح منها وما لا يصح، قال ابن كثير بعد أن أورد بعضا من هذه الروايات: "والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، والله الحمد والمنة. ينظر: الطبري، (جامع البيان)، مصدر سابق، ج 18، ص 82. ابن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، ج 9، ص 2893. الثعلبي (الكشف والبيان)، مصدر سابق، ج 7، ص 212. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت:774 هـ)، (تفسير القرآن العظيم)، تحقيق: محمد حسين شمس الدين، طا، دار الكتب العلمية - بيروت، (1419 هـ - 1998 م)، ج 6، ص 177.

{136)

}