باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

مسألة: [حكم الأشياء قبل ورود الشرع] (1)

ويتصل بهذا ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع؟ الجواب: قال بعضهم: الحظر، وقال بعضهم الإباحة، وقال أهل الوقف بالوقف. وقد كان جواب المشايخ قبل هذا أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الحظر، وكان جواب الشيخ [أبي زكريا] (2) يحيى بن أبي بكر (3) - رحمه الله، فبلغ ذلك أبا يحيى زكريا بن أبي بكر (4) - رضي الله عنه، فقال: علام يقول يحيى هذا؟ ألم يقل الله عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ: الجاثية: 13، فتوقف عن الجواب بعد ذلك ورجع، والله أعلم. وأما الذين قالوا بالوقف فالأشعرية ()، وأما الذين قالوا بالحظر فالمعتزلة ()، وأما الذين قالوا بالكف ففرغ من الحظر. والأصح أن الأشياء على الإباحة قبل

(1) العنوان الذي بين المعكوفين من وضع المحقق.

(2) ساقط من (أ).

(3) أبو زكريا يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني (ت: 471 هـ)، سبقت ترجمته.

(4) زكرياء بن أبي بكر بن سعيد اليراسني (ت:550 هـ)، هو أخو أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر، سبقت ترجمته أيضا. (5) وعبارتهم في ذلك أن قالوا: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، ومنهم من عبر بالوقف وعبارة إمام الحرمين في التخليص قال: "وما صار إليه أهل الحق لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع. وعبروا عن نفي الأحكام بالوقف، ولم يريدوا بذلك الوقف الذي يكون حكما في بعض مسائل الشرع، وإنما عنوا به انتفاء الأحكام"، وقد فصل الرازي في المحصول معنى القول بالوقف، بعد أن نسب القول بذلك إلى أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الصيرفي وغيرهما، فقال: "وهذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم، وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أم لا؟ وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر". ينظر: الشيرازي، (اللمع)، مصدر سابق، ص 122. الجويني، (التلخيص)، مصدر سابق، ج 3، ص 473. الغزالي، (المنخول)، مصدر سابق، ص 76. الرازي (المحصول)، ج 1، ص 159. الآمدي، (الإحكام)، مصدر سابق، ج 1، ص 75.

(6) يوجد للمعتزلة أكثر من قول، فالجويني ذكر بأن لهم قولان في هذه المسألة: الإباحة والحظر، والغزالي في المستصفى نسب إليهم الأقوال الثلاثة كلها، كما سيأتي في كلام الشارح. وعبارة أبو الحسين البصري في المعتمد شملت الأقوال الثلاثة كلها، وقد قدم للمسألة بمقدمة بناها على أصلهم في التحسين والتقبيح العقليين، ومفادها أن كلامهم في مسألة "حكم الأشياء قبل ورود الشرع" إنما هو فيما لم يحكم العقل فيه بتحسين أو تقبيح، أما ما حكم العقل فيه بتحسين أو تقبيح فهو خارج عن محل النزاع عندهم، وهذه المقدمة ينبغي ذكرها هنا، وأنا أنقلها بنصها، قال في المعتمد: اعلم أن أفعال المكلف في العقل ضربان: قبيح وحسن، فالقبيح كالظلم والجهل والكذب وكفر النعمة وغير ذلك، والحَسَن ضربان أحدهما يترجح فعله على تركه، والآخر لا يترجح فعله على تركه، فالأول منه ما الأولى أن نفعل؛ كالإحسان والتفضل، ومنه ما لا بد من فعله وهو الواجب؛ كالإنصاف وشكر المنعم، وأما الذي لا يترجح فعله على تركه فهو المباح؛ وذلك كالانتفاع بالمآكل والمشارب، وهذا مذهب الشيخين أبي علي وأبي هاشم والشيخ أبي الحسن، وذهب بعض شيوخنا البغداديين وقوم من الفقهاء إلى أن ذلك محظور، وتوقف آخرون في حظر ذلك وإباحته. هذا، وقد اعتمد أبو الحسين البصري على القول بالإباحة، وأخذ يجيب على اعتراضات الخصوم. ينظر: أبو الحسين البصري المعتمد)، مصدر سابق، ج 2، ص 868. الجويني، (البرهان في أصول

الفقه)، مصدر سابق، ج 1، ص 13. الجويني، التلخيص)، ج 3، 472. الغزالي (المستصفى)، مصدر سابق، ص 84.

[144 (

}