تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٥٣ورود الشرع، وقولنا قبل ورود الشرع معناه قبل ورود الحظر والأمر والإباحة؛ لأن هذه أسام مقتبسة من الشرع] (1)، والقدرية تقول بالإباحة إلا ما يوجبه العقل (2)، وأما من قال بالحظر فإنه
مَنَعَه من التقدم إلى شيء إلا بأمر المالك، وبأمر مبتدأ، وبدليل قوله: {وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَيكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الإسراء: 36، وأما الذين قالوا بالإباحة قالوا: إن الله خَلَقَ خلقه، وخلقهم محتاجين إلى أمور تقوم بنيتهم بها] (3)، ولم يكن ليخلُقَهم ويُحوجهم ثم يُحرجهم في تناول ما به قوامُهم، ألا تراهم قد احتاجوا إلى التنفس في الهواء والكون على الأرض، ولا ينفكون منه ولا يستغنون عنه، وكذلك النظر بالأبصار، والإصغاء بالآذان، وقد فتق الأبصار وشقَّ الآذان وأطلَقَ اللسان، وأحوج إلى الأكل والشراب، فكل هذه المعاني قرائن الإباحة، فبها تُوجَّه الجوارح إلى الاستعمال، ويُؤذنها بالمقال والامتثال (4).
الشرح: قال المفسر هذه المسألة جرت عادة الأصوليين بالخوض والتنازع فيها، وهي عديمة الفائدة، والحاجة غير ماسة إليها ()؛ حيث الشرائع ثابتةٌ، والحلال بيّن والحرامُ بيِّن، وحلالُ الله حلال إلى يوم القيامة، وإنما تُفرض هذه المسألة على مذهب من يجوز تأخير التكليف عن البلوغ وصحة العقل، ويجوز أن يقع بالغ صحيحُ العقل غير مكلف، وهذا وإن قال به من قال فغيرُ مكترث به، ولا متبوع على هذا القول أو على قول (6) من يفرض رجلاً صادف نبياً من الأنبياء، فَشَرَعَ له [الإيمانَ وأَصل الدين والإسلام والفرائض، ومات النبيُّ قبل أن يشرع له] () الشرع على التفصيل والتمام، فما حكم ما لم يشرع له النبيُّ فيه تحليلاً ولا تحريماً ولا إباحةً؟ وإلا فهذه العبارة غيرُ سديدة، فقولهم في الترجمة: "قبل" ورود الشرع" معناهم قبل ورود الحُكم، أليس الشرع في نفسه وحقيقته هو الحكم؟ (8) فما فائدة قولهم: "ما حكم الأشياء قبل ورود الحكم؟ " فكيف السؤال عن الحكم وليس ثمَّ حُكم، والحكم في الحقيقة هو خطاب الله سبحانه مثل قوله تعالى في الحلال كلوه وتناولوه وافعلوه، وقوله في الحرام هو حرام عليكم فاتركوه، وفي المباح إن شئتم فافعلوا وإن شئتم
(1) ساقط من (ب) و (ج).
(2) ينظر: أبو الحسين البصري، المعتمد)، مصدر سابق، ج 2، ص 868
(3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) في (أ): "ويؤذنها بالمقال والانتقال".
(5) في (ب) و (ج): "وهي عريضة والفائدة والحاجة غير ماسة إليها، ويبدو أن في الكلام تصحيفا. (6) العطف هنا على قوله السابق: "وإنما تفرض هذه المسألة على مذهب … إلخ".
(7) ساقط من (ب) و (ج).
(8) في (ب) و (ج): "أليس هو الشرع في نفسه وحقيقته؟ "، والمعنى في العبارتين واحد.
?
145
}