تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٥٤فاتركوا، فلا حرج عليكم في الفعل و [ا] (1) في الترك، فكيف البحثُ عن هذا قبل أن يُبتلى به الناس، وأمَّا المذاهب في المسألة فثلاثة: الإباحة، والحظر، والوقف ونسبها الغزالي [كلها] (2) إلى المعتزلة، وقال: إنهم منقسمون إلى هذه المذاهب (3). والشيخُ -رضي الله عنه- لم يَنسب إليهم إلا
الحظر كما ترى.
فيُقال لمن قال بالحظر من أين علمتم أن الأشياء على الحظر ولم يرد الحظر و [ل] (4) الإباحة؟ فلم يبقَ إلا أن يقولوا علمناه من تقبيح العقل، حيث التصرفُ في ملك الغير بغير إذنه ظلم، والظلمُ قبيح عقلاً، والأشياء كلُّها من مُلك الله تعالى ولم يأذن [الله] () بالتصرف في ملكه، وعليهم في هذا جوابان، نشير إليهما إشارةً لعلة التطويل وإضاعة الوقت فيما لا حاجة إليه، أحدهما أن تقول: أليست الأحكام عندكم تُدرك من طريقين؛ طريق العقل وطريق السمع؟ فها أنتم إذا أجبتم بالعقل فما قولكم فيما لا تُدركون فيه تحسين العقل ولا تقبيحه؟ ولا يُدرك عندكم تحسينه ولا تقبيحُه إلا من طريق السمع؟ قالوا: على الأصل وهو الحظر والتحريم؛ لأنه لو كان حلالاً أو مباحاً لوَرَدَ به السمع، [قالوا] (2): فعدم ورود السمع بالإذن فيه والتحليل له دليلُ التحريم، فيقال لهم: بل فعدم ورود السمع بتقبيحه وتحريمه دليلٌ على تحسينه وتحليله وإباحته، فتتقابل الدعوتان وتسقطان، وبطل ما صاروا إليه من الحظر فيما طريقه السمع.
والجواب الثاني ذكره أبو المعالي في البرهان عليهم فقال (7): "وأما أصحاب الحظر فيُلزمون الأضداد التي لا انفكاك عن جميعها وليس يتحقق العرو عن جملتها، فإن حظروا جميعها كان ذلك تكليف ما لا يستطاع، وإن خصَّصوا شيئاً من شيءٍ من غير تحسين العقل ولا تقبيحه لم يخف
(1) ساقط من (أ). (2) ساقط من (ب) و (ج).
(3) نسب الغزالي في "المستصفى" الأقوال الثلاثة كلها إلى المعتزلة ثم صحح القول بالوقف، وصرح في "المنخول" بأنه لا حكم قبل ورود الشرع. وبمثل قوله هذا صرح قبله إمام الحرمين، إلا أنه قال في المعتزلة أنهم افترقوا إلى قولين؛ منهم من قال بالحظر، ونسبه إلى البغداديين منهم، ومنهم من قال بالإباحة. وهذا الخلاف بين المعتزلة إنما هو فيما لا حكم للعقل فيه بتحسين أو تقبيح. ينظر الجويني، البرهان في أصول الفقه)، مصدر سابق، ج 1، ص 13. الجويني، (التلخيص)، مصدر سابق، ج 3، 472. الغزالي (المستصفى)، مصدر سابق، ص 84. الغزالي (المنخول)، مصدر سابق، ص 76.
(4) ساقط من (أ).
(5) ساقط من (ب) و (ج).
(6) ساقط من (ب) و (ج).
(7) الجويني (البرهان في أصول الفقه، مصدر سابق، ج 1، ص 13.
146
}