باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

سقوط ما ذهبوا إليه، وإن خصَّصوا الحظر بما يعتقدون جواز الخلو عنه فمرجعُهم إلى أن التصرُّف في مُلك الغير بغير إذنه قبيح".

قال المفسر [الأضداد] (1) التي ذكرها هو أكوانُهم وأحوالهم (2) بعد وجودهم متحركين أو ساكنين، ولا ينفكون عن الحركة والسكون، فإن تحركوا فالحركة على الحظر والمنع، وإن سكنوا فمثلُ ذلك، وكذلك تنفُسُهم في الهواء وعدمه، وكذلك سائر ضروراتهم (3) التي لا بد لهم منها ولا ينفكون عنها، فهي كلها على المنع؛ حيث الأشياء كلها على الحظر، وهذا معنى قول الشيخ -رضي الله عنه-: "وخلقهم محتاجين إلى أمور تقوم بها بنيتهم، ولم يكن ليخلُقَهم ويُحوجهم ثم يُحرِجَهم في تناول ما به قِوامُهم ألا تراهم قد احتاجوا إلى التنفس فى الهواء والكون على الأرض، ولا ينفكون عنه"، ومعنى قوله: "يُحرجهم" أي ينسبهم إلى الحرج والتضييق عليهم والتحريم، وأمَّا ما ذكره الشيخ عن الشيخ أبي زكريا أن جوابه وجواب المشايخ أن الأشياء على الحظر فمصيرهم فيه إلى ما صارت إليه المعتزلة، من أن التصرُّف في ملك الغير من غير إذنه قبح وظلم، والظلمُ ممنوع (4)، وإلا فمن أين علموا الظلم والظلمُ إنما يتحقق تحريمه بالشرع، والشرعُ لم يرد بعد (5).

(1) ساقط من (ج).

(2) في (ج): "التي ذكروها هي أكوانهم وأحوالهم … إلخ".

(3) في (أ): "وكذلك سائر" صرائرهم"، وهو تصحيف ظاهر.

(4) ذكر هذا الاعتراض أبو الحسين البصري وأجاب عنه، وقد سبق أن للمعتزلة أكثر من قول، وأن أبا الحسين البصيري ممن قال بالإباحة. ينظر: أبو الحسين البصري، المعتمد)، ج 2، ص 874.

(5) لخص الأقوال في المسألة بدر الدين الشماخي في شرح مختصر العدل والإنصاف، وهذا الكتاب هو في الأصل اختصار لكتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني صاحب المتن، ثم إن بدر الدين الشماخي نفسه شرح مختصره هذا في كتاب أسماه "شرح مختصر العدل والإنصاف"، وقد اختصر الأقوال وقائليها في هذه المسألة فقال: "الأشياء قبل ورود الشرع حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد وابن أبي هريرة على الحظر. وعند الشيخ أبي يحيى زكريا بن أبي بكر، واختاره المصنف- يعني أبا يعقوب الوارجلاني، وعند معتزلة البصرة، وطائفة من الحنفية والشافعية على الإباحة. وعند الأشعري والصيرفي على الوقف. لكن أدلة المعتزلة راجعة إلى العقل، وعند غيرهم إلى الشرع". وقد تعقبه أبو ستة في الحاشية بقوله: "ثم في التسوية بيننا وبين بعض المعتزلة في كون الاشياء قبل البعثة على الحظر وكذلك بين بعض أصحابنا وبعضهم في كونها على الإباحة نظر؛ لأن المعتزلة لم يختلفوا إلا فيما لم يقض فيه العقل بشيء ولم يدرك فيه حسنا ولا قبحا، وأما ما أدرك فيه العقل ذلك عندهم فتعتريه الأحكام الخمسة باتفاق منهم، وأما عندنا فقيل إنها على الحظر مطلقا وقيل إنها على الإباحة، ولا ينظرون إلى التحسين والتقبيح العقليين، ففرق بيننا وبينهم هذا، ومما تجدر الإشارة إليه أن الشماخي بعدما لخص الأقوال في المسألة تركها، ولم يرجح قولا على قول، غير أن الشارح أبا القاسم البرادي يفهم من كلامه الذي يذكره هنا، وكذلك من تأويله الإباحة في اختيار صاحب المتن أنها بمعنى استواء الفعل والترك، كما سيأتي؛ يفهم من ذلك كله أنه يميل إلى قول من قال بالوقف. ينظر: الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، مصدر سابق، ص 189.

"

{147)

}