باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

وأوردت الأشعرية مسألة على المعتزلة في هدم أصلهم في التقبيح في هذه المسألة، ذكرها أبو المعالي في البرهان قال فيه حاكياً عن أستاذه (1) ثم قال: الأستاذ من ملك بحراً لا ينزف، واتَّصف بالجود والاستغناء عن ملكه، ومملوكه عطشان لاهث، والنطفة تكفيه، والنقطة من الماء ترويه و مالكُه ناظر عطشه؛ فلا يُدرك بالعقل تحريمُ القدر النزر من البحر، الذي لا يُنقصه ما يُؤخذ منه نقصاً محسوساً (2). قال المفسر: هذا إلزام بارد من قول الأشعرية، حيث المالك عالم بالقدر المأخوذ من مائه وإن قل، ومطلع على فعل مملوكه أنه تصرف بغير إذنه، ولا حاجة إلى هذا بعد وضوح مسلك البرهان.

وأما أهل الإباحة فيقال لهم: الإباحة تستدعي مبيحاً ولا بد، ومحال إباحة من غير مبيحٍ، كما أنه محال ذكر من غير ذاكر، وعلم من غير [عالم (3)، فإن قالوا: الله سبحانه هو المبيح، قلنا: من أين علمتم ذلك؟ والإباحة خطابه، وهو قوله افعلوا أو اتركوا، والخطاب بعد لم يرد، فإن قالوا: علمنا بالإباحة استواء الفعل والترك، وهو طريقٌ رد به أبو المعالي الإباحة إلى الوقف، وزعم به أن أهل الإباحة وافقوا أهل الوقف، وأن طريقهم واحد (4)، هذا إن قالوا: لم نذهب إلى إيجاب الحَرَج ولا إلى إسقاطه، قلنا: نعم أصبتم فى المعنى وأخطأتم فى اللفظ، حيث أفعال الصبيان والبهائم سواء فيها الترك والفعل، ولا توصف بالإباحة، وكذلك أفعاله عز وجل لا توصف بالإباحة، وسواء في حقه الفعل والترك ولا حرج عليه (9)، ولا توصف أفعاله، بالإباحة، فإن قالوا: خَلْقُه إيانا محتاجين إلى التنفس في الهواء مع توسيعه الهواء، وخَلْقُه إيانا محتاجين إلى التمكن والكون مع خلقه الأمكنة، وخَلْقُه إيانا محتاجين إلى الغذاء مع توسيعه الأرزاق، وتسخيرُه الحواس، وطبعها على

(1) الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران (ت:418 هـ)، نشأ في أسفرايين (بين نيسابور وجرجان)، من فقهاء الشافعية، وأحد أئمة الدين كلاما وأصولا وفروعا، انصرف من العراق بعد المقام بها وقد أقر له أهل العلم بالعراق وخراسان بالتقدم والفضل، ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له المدرسة التي لم يبن قبلها بنيسابور مثلها ودرس فيها وحدث له جملة تصانيف منها: كتاب الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين، ومسائل الدور، وتعليقة في أصول الفقه، وغير ذلك. ينظر: النووي، تهذيب الأسماء واللغات)، مصدر سابق، ج 2، ص 169. ابن خلكان، وفيات الأعيان)، مصدر سابق، ج 1، ص 28. السبكي، (طبقات الشافعية الكبرى، مصدر سابق، ج 4، ص 256.

(2) الجويني، (البرهان في أصول الفقه، مصدر سابق، ج 1، ص 14.

(3) ساقط من (ب).

(4) ونص عبارته في البرهان "وأما أصحاب الإباحة فلا خلاف على الحقيقة بيننا وبينهم فإنهم لم يعنوا بالإباحة ورود خبر عنها، وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك، والأمر على ما ذكروه". الجويني، البرهان) في أصول الفقه)، مصدر

سابق، ج 1، ص 14.

(5) ما بين المعكوفين ساقط من (ب).

{148

}